Mawsūʿat al-milal waʾl-adyān
موسوعة الملل والأديان
Publisher
موقع الدرر السنية على الإنترنت dorar.net
تدلُّ الأناجيل الحالية على بشرية عيسى- ﵇ وعبوديته دلالة بينة حيث جاء في بعضها فيما ينسب إلى عيسى ﵇ قوله: (ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني، وأنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله). فعيسى ﵇ وضع نفسه في الموضع اللائق به، وهو أنه إنسان رسول يدعوهم، ويبلغهم بما أوحاه الله إليه، وكفى بذلك دليلًا على بشريته وعبوديته، وأنه ليس بإله حيث أثبت بشريته، وأثبت لنفسه العبودية والخضوع لمن أرسله وهو الله ﷾ إلهه وإله بني إسرائيل والخلق أجمعين، كما جاء فيما نسب إليه قوله: (إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم). وقوله: (إذهب يا شيطان؛ لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد). وفي الأناجيل ما يدل على عبادة عيسى- ﵇ وطاعته لله ﷾ حيث صام و(خرَّ على وجهه، وكان يصلي قائلًا: يا أبتاه، إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس، ولكن ليس كما أريد أنا، بل كما تريد أنت). كما أنه (خرج إلى الجبل ليصلي، وقضى الليل كله في الصلاة لله). وسبحان الله قضى الليل كله يصلي لخالقه، وإلهه، وربه، فأنَّى يكون إلها، أو يكون هو الله؟ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. أنَّى يكون العابد هو عين المعبود؟ ولاسيما أنه كان (يصلي بأشد لجاجة) لله ﷾. بل جاء - فيما نسب إليه- في الأناجيل أنه قال: (لم يتركني الآب وحدي؛ لأني في كل حين أفعل ما يرضيه). فهو مجتهد في عبادة ربه ﷾، خاضع له ومطيع له في كل وقت وحين. ثم إن نظرة معاصري عيسى- ﵇ له لم تكن إلا على أنه إنسان، وليس بإله. من ذلك قوله (أجاب الخدام: لم يتكلم قط إنسان هكذا مثل هذا الإنسان. فأجابهم الفريسيون: ألعلكم أنتم أيضًا قد ضللتم؟. ألعل ناموسنا يدين إنسانًا لم يسمع منه أولًا؟). وفي نص آخر: (فقالوا له: كيف انفتحت عيناك (لرجل أعمى أبصر بإذن الله على يد عيسى)؟ أجاب ذاك وقال: إنسان يقال له: يسوع). كما أن نسب عيسى ﵇ وفق الأناجيل أنه: المسيح عيسى ابن مريم، من نسل داود ومن ذرية إبراهيم - عليهم الصلاة والسلام - خلقه الله من أم بلا أب بقدرته، كما خاطب جبريل مريم ﵉ حيث قال لها: (لأنه ليس شيء غير ممكن لدى الله). حينما تعجبت واستفهمت من جبريل (. كيف يكون هذا (أي: الحمل بعيسى وولادته) وأنا لست أعرف رجلًا). فأمه مريم، وتزعم الأناجيل أن له إخوة وأخوات ممن ادعت أنه زوج أمه، وهو يوسف النجار، ونسيبة أمه - كما جاء في الأناجيل- هي أليصابات أم يحيى ﵇، وهي من بنات هارون، وبذلك يحيى وزكريا من قرابة عيسى.
كذلك من أدلة بشرية - عيسى ﵇ كما جاء في الأناجيل: أن أمه حملت به عدة الحمل كاملة، ثم ولدته بعد أن لم يكن شيئًا، وختن بعد أن كان أغلف، واكتهل بعد أن كان صبيًّا، وتعلم القراءة والكتابة. وكتب بإصبعه على الأرض، وجاع، وطعم، بل أكل الفصح مع حواريه، كما شرب الماء، ومشى فتعب وتصبب عرقًا حتى بلغ عرقه الأرض، ثم جلس من التعب، وامتطى الجحش، وتفل على الأرض، وصنع من التفل طينًا، وطلى بالطين عيني الأعمى، وحزن واكتأب ثم بكى، وكان يجثو على ركبتيه، ويخرُّ على وجهه إلى الأرض ساجدًا لله ﷾، إلى غير ذلك مما جاء في الأناجيل.
كما أن من الأمور التي تجلي عبودية عيسى- ﵇ وبشريته سوى ما ذكر هنا ما أثبته عيسى- ﵇ من أسماء وصفات لله وحده، نافيًا إياها عن نفسه ﵇، مثل: أن الله هو القادر وحده، وأنه هو الهادي وحده، وأنه هو علام الغيوب، وأنه العظيم ومالك يوم الدين، وأنه لا يُرى في الدنيا إلى آخر ما مرَّ.
لذا ولغيره ذكر أبو الوليد الباجي - ردًّا على راهب من فرنسا- أن عيسى ﵇ (بشر مخلوق وعبد مربوب لا يعدو عن دلائل الحدوث والتغير من حال إلى حال، وأكل الطعام والموت الذي كتب على جميع الأنام. ولو جوزنا كونه ﷺ مع هذه الصفات والأحوال المحدثات إلهًا قديمًا لنفينا أن يكون العالم أو شيء مما فيه محدثًا مخلوقًا؛ لأنه ليس في شيء مما ذكرنا من البشر والعالم وما فيه من الحيوان والجماد من دلائل الحدوث غير ما في عيسى ﵇. إن ما سبق مثبت لبشرية عيسى ﵇ وعبوديته فماذا عن نبوة عيسى ﵇ ورسالته؟
المصدر: افتراءات المنصرين على القرآن الكريم أنه يؤيد زعم ألوهية المسيح ﵇ لعلي الحربي ص ٢٣
1 / 395