Mawsūʿat al-akhlāq waʾl-zuhd waʾl-raqāʾiq
موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق
قال أبو وداعة: كنت ألازم مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طلبا اللعلم، وكنت أداوم على حلق سعيد بن المسيب وأزاحم الناس عليها بالمناكب، فتغيبت عن حلقة الشيخ أياما، فتفقدني، وظن أن بي مرضا، أو عرض لي عارض، فسأل عني من حوله، فلم يجد عند أحد منهم خبرا فلما عدت إليه بعد أيام حياتي، ورحب بي وقال: أين كنت يا أبا وداعة؟ فقلت: توفيت زوجتي، فاشتغلت بأمرها، فقال: هلا أخبرتنا يا أبا وداعة فأواسيك، ونشهد جنازتها معك، ونعينك على ما أنت فيه، فقلت: جزاك الله خيرا، وهممت أن أقوم، فاستبقاني حتى انصرف جميع من كان في المجلس، ثم قال لي: أما فكرت في استحداث زوج لك يا أبا وداعة ؟ فقلت له يرحمك الله، ومن يزوجني ابنته وأنا شاب نشأ يتيما، وعاش فقيرا، أنا لا أملك غير درهمين، أو ثلاثة دراهم، فقال: أنا أزوجك ابنتي، فانعقد لساني وقلت: أنت؟! أتزوجني ابنتك بعد أن عرفت من أمري ما عرفت؟! فقال: نعم، فنحن إذا جاءنا من نرضى دينه وخلقه زوجناه، وأنت عندي مرضي الدين والخلق، ثم التفت إلى من كان قريبا منا، وناداهم، فلما أقبلوا عليه وصاروا عنده، حمد الله عز وجل وأثنى عليه، وصلى على نبيه محمد وعقد لي على ابنته، فقمت وأنا لا أدري ما أقول من الدهشة والفرج، ثم قصدت بيتي، وكنت يومئذ صائما، فنسيت صومي وجعلت أقول: ويحك يا أبا وداعة، ما الذي صنعت بنفسك؟! ممن تستدين؟! وممن تطلب المال؟! وظللت على حالي هذه حتى أذن للمغرب، فأديت المكتوبة، وجلست إلى فطوري، وكان خبزا وزيتا، فما أن تناولت منه لقمة أو لقمتين حتى سمعت الباب يقرع، فقلت: من الطارق؟ فقال: سعيد، فوالله لقد مر بخاطري كل إنسان اسمه سعيد أعرفه إلا سعيد بن المسيب، ذلك لأنه لم ير منذ أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد، ففتحت الباب، فإذا بي أمام سعيد بن المسيب، فظننت أنه قد بدا له في أمر زواجي من ابنته شيء، وقلت له: يا أبا محمد؟! هلا أرسلت إلينا فآتيك، فقال: بل أنت أحق بأن آتي إليك اليوم، فقلت: تفضل علي، فقال: كلا، وإنما جئت لأمر، فقلت: وما هو يرحمك الله؟ فقال: إن ابنتي أصبحت زوج لك بشرع الله منذ الضحى، وأنا أعلم أنه ليس معك أحد يؤنس وحشتك، فكرهت أن تبيت أنت في مكان وزوجتك في مكان آخر، فجئتك بها، فقلت: ويحي جئتني بها؟! فقال: نعم، فنظرت، فإذا هي قائمة بطولها، فالتفت إليها وقال: ادخلي إلى بيت زوجك يا بنتي على اسم الله وبركته، فلما أرادت أن تخطو، تعثرت بثوبها من الحياء حتى كادت تسقط على الأرض، أما أنا فقد وقفت أمامها ذاهلا لا أدري ما أقول، ثم إني بادرت فسبقتها إلى القصعة التي فيها الخبز والزيت، فنحيتها من ضوء السراج حتى لا تراها، ثم صعدت إلى السطح وناديت الجيران، فأقبلوا علي وقالوا: ما شأنك؟ فقلت: عقد لي سعيد بن المسيب على ابنته اليوم في المسجد، وقد جاءني بها الآن على غفلة، فتعالوا آنسوها حتى أدعو أمي، فهي بعيدة الدار فقالت عجوز منهن: ويحك أتدري ما تقول؟! أزوجك سعيد بن المسيب ابنته، وحملها لك إلى البيت بنفسه؟! وهو الذي ضن بها على الوليد بن عبد الملك، فقلت: نعم، وها هي ذي عندي في بيتي، فهلموا إليها، وانظروها، فتوجه الجيران إلى البيت، وهم لا يكادون يصدقونني، ورحبوا بها، وآنسوا وحشتها، كما وجه إلينا سعيد بن المسيب مبلغا وفيرا من المال لنستعين به على حياتنا (¬1).
وهكذا تعاونوا فيما بينهم لتيسير أمور الزواج فعلى أولياء الأمور التيسير على الشباب في أمور الزواج فالسعادة ليست في كثرة المهور والتفاخر بها، وإنما في طاعة الله عز وجل.
ذو القرنين
كان يأجوج ومأجوج أناسا لهم أشكال مخيفة، يفسدون في الأرض لا يصلحون، وكان في زمانهم ملك يسمى ذو القرنين، آتاه الله ملكا عظيما ومنحه القوة والسلطان، وفي يوم من الأيام، وصل ذو القرنين بجيشه إلى المكان الذي يعيش فيه هؤلاء القوم، وكان يسكن في المكان نفسه قوم ضعاف، فلما رأوا ذا القرنين، استنجدوا به حتى يحميهم من يأجوج ومأجوج، واقترحوا عليه أن يصنع لهم سدا يمنع عنهم شرهم، فوافق ذو القرنين على بناء السد، وطلب منهم أن يعاونوه ويساعدوه، حتى يتمكن من إنجاز هذا العمل الضخم، وتعاون القوم في صنع السد، وكان سدا قويا متينا من سبيكة الحديد والنحاس، وعاش القوم بها في أمان وسلام.
5 - تعاون الأبناء مع الأباء
Page 55