562

Mawsūʿat al-akhlāq waʾl-zuhd waʾl-raqāʾiq

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق

هذا ما دفع بعض قياداتهم -وهو أحد العلماء الأمريكيين- يوم وقف أمام جمع من المسلمين قائلا: يا أيها المسلمون، إنكم لن تستطيعوا أن تسايروا الغرب تقنيا ولا علميا ولا اقتصاديا ولا سياسيا ولا عسكريا، ولكنكم تستطيعون أن تجعلوا هذا الغرب المتجبر المتعالي يجثو على ركبه أمامكم في الإسلام، ثم يضيف قائلا: أعطوني أربعين شابا ممن يحسنون فهم هذا الدين فهما دقيقا، ويحسنون تطبيقه على أنفسهم تطبيقا دقيقا، ويحسنون عرضه على الناس بلغة العصر، وأنا أكفل لكم أن أفتح لهم الأمريكتين.

حقا -والله الذي لا إله غيره- فهذا هو السلاح الوحيد الذي بقى بأيدينا الآن، أن نفهم الإسلام، ونطبقه على أنفسنا، ثم نقوم بعرضه على الناس (¬1).

فهم رائع

ومن المواقف الرائعة في التاريخ الإسلامي التي تبين -بما لا يدع مجالا للشك- أهمية فهم المسلمين لدينهم فهما صحيحا، وأنه قد تضطرهم الظروف فيتركون واجبا في سبيل تحقيق واجب أهم منه، ما حدث للمسلمين في بيروت عندما أرادوا أن يستنقذوا إخوانهم المحاصرين في عكا من قبل الصليبيين فحلقوا لحاهم وتزيوا بزي الصليبيين وعلقوا الصلبان ووضعوا الخنازير على سطح السفينة التي تحمل الطعام لإخوانهم المحاصرين واستطاعوا أن يخدعوا الصليبيين وأن يمروا من بينهم دون أن يشكوا في أمرهم (¬2).

هكذا كان عبد الله بن المبارك

خرج عبد الله بن المبارك إلى الحج، فاجتاز بعض البلاد فمات طائر معهم، فأمر بإلقائه على المزبلة، فخرجت جارية من دار قريته، فأخذت الطائر الميت، ولفته، وأسرعت به إلى الدار، فلما سألها: لم أخذت الميتة؟ قالت إنها وأخاها فقيران لا يجدان شيئا، ولا يعلم بهما أحد.

فأمر ابن المبارك برد الأحمال، وقال لوكيله: كم معك من النفقة؟ قال: ألف دينار، قال: أبق منها عشرين دينارا، وأعط باقي الألف إلى الجارية، وعد بنا إلى مرو، فهذا أفضل من حجنا هذا العام، ورجع ولم يحج (¬3).

Page 179