566

Mawsūʿat al-akhlāq waʾl-zuhd waʾl-raqāʾiq

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق

يقول الشيخ أحمد القطان عن توبته: إن في الحياة تجارب وعبرا ودورسا، لقد مررت في مرحلة الدراسة بنفسية متقلبة حائرة، لقد درست التربية الإسلامية في مدارس التربية ولا تربية -ثمانية عشر عاما وتخرجت بلا دين-، وأخذت ألتفت يمينا وشمالا: أين الطريق؟ هل خلقت هكذا الحياة عبثا؟ أحس فراغا في نفسي وظلاما وكآبة، وحدي في الظلام لعلي أجد هناك العزاء، ولكني أعود حزينا كئيبا وتخرجت في معهد المعلمين سنة 1969 م، وفي هذه السنة والتي قبلها حدث في حياتي حدث غريب تراكمت فيه الظلمات والغيوم، إذ قام الحزب الشيوعي باحتوائي ونشر قصائدي في مجلاتهم وجرائدهم، والنفخ فيها، وأخذوا يفسرون العبارات والكلمات بزخرف من القول يوحي بعضهم إلى بعض .. حتى نفخوا في نفخة ظننت أنني أنا الإمام المنتظر، وما قلت كلمة إلا وطبلوا وزمروا حولها .. وهي حيلة من حيلهم، إذا أرادوا أن يقتنصوا ويفترسوا فردا، ينظرون إلى هويته وهوايته، ماذا يرغب؟ ثم يدخلون عليه من هذا المدخل. رأوني أميل إلى الشعر والأدب فتعهدوا بطبع ديواني ونشر قصائدي، وعقدوا لي الجلسات واللقاءات الأدبية الساهرة .. ثم أخذوا يدسون السم في الدسم، يذهبون بي إلى مكتبات خاصة ثم يقولون: اختر ما شئت من الكتب بلا ثمن فأحمل كتبا فاخرة .. أوراقا مصقولة .. طباعة أنيقة عناوينها "أصول الفلسفة الماركسية" "المباديء الشيوعية" وهكذا بدأوا بالتدريج يذهبون بي إلى المقاهي الشعبية، فإذا جلست معهم على طاولة قديمة تهتز .. أشرب الشاي بكوب قديم وحول العمال .. فإذا مر رجل بسيارته الأمريكية الفاخرة قالوا: انظر، هذا يركب السيارة من دماء آبائك وأجدادك .. وسيأتي عليك اليوم الذي تأخذها منه بالثورة الكبرى التي بدأت وستستمر .. إننا الآن نهيئها في "فارط" ونعمل لها، وإننا نهيئها في الكويت ونعمل لها، وستكون قائدا من قوادها، وبينما أنا أسمع هذا الكلام أحس أن الفراغ في قلبي بدأ يمتليء بشيء .. لأنك إن لم تشغل قلبك بالرحمن أشغله الشيطان، فالقلب كالرحى .. يدور .. فإن وضعت به دقيقا مباركا أخرج لك الطحين الطيب .. وإن وضعت فيه الحصى أخرج لك الحصى، ويقدر الله بعد ثلاثة شهور أن نلتقي برئيس الخلية الذي ذهب إلى مصر وغاب شهرا ثم عاد. وفي تلك الليلة أخذوا يستهزئون بأذان الفجر .. كانت الجلسة تمتد من العشاء على الفجر .. يتكلمون بكلام لا أفهمه مثل "التفسير المادي للتاريخ" "والاشتراكيون والشيوعية في الجنس والمال"، ثم يقولون كلاما أمرره على فطرتي السليمة التي لا تزال .. فلا يمر .. أحس أنه يصطدم ويصك .. ولكن الحياء يمنعني أن أناقش فأسكت، ثم بلغت الحالة أن أذن المؤذن لصلاة الفجر .. فلما قال "الله أكبر" أخذوا ينكتون على رسول الله، وهنا بدأ الانفعال الداخلي والبركان الإيماني الفطري يغلي، وإذا أراد الله خيرا بعبده بعد أن أراه الظلمات يسر له أسباب ذلك .. إذ قال رئيس الخلية: لقد رأيت الشيوعية الحقيقية في لقائي مع ( ... ) بمصر هو الوحيد الذي يطبقها تطبيقا كاملا، فقلت: عجبا .. ما علامة ذلك؟!! قال: إذا خرجنا في الصباح الباكر عند الباب فكما أن زوجته تقبله تقبلني معه أيضا، وإذا نمنا في الفراش فإنها تنام بيني وبينه .. وهكذا يقول .. والله يحاسبه يوم القيامة .. فلما قال ذلك نزلت ظلمة على عيني وانقباض في قلبي، وقلت في نفسي: أهذا فكر؟!! أهذه حرية؟!! أهذه ثورة؟!! لا ورب الكعبة إن هذا كلام شيطاني إبليسي!! ومن هنا تجرأ أحد الجالسين فقال له: يا أستاذ ما دمت أنت ترى ذلك، فلماذا لا تدع زوجتك تدخل علينا نشاركك فيها؟ قال: إنني ما أزال أعاني من مخلفات البرجوازية وبقايا الرجعية وسيأتي اليوم الذي نتخلص فيه منها جميعا ..

Page 183