Mawsūʿat al-akhlāq waʾl-zuhd waʾl-raqāʾiq
موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق
فنظرت إلى الرقعة فإذا فيها مكتوب: إنك دعوتنا إلى الجهاد ورغبتنا في الثواب، ولا قدرة لي على ذلك فقطعت أحسن ما في، وهما ضفيرتاي وأنفذتهما إليك لتجعلهما قيد فرسك، لعل الله يرى شعري قيد فرسك في سبيله فيغفر لي.
فلما كانت صبيحة القتال فإذا بغلام بين يدي الصفوف يقاتل فتقدمت إليه وقلت: يا فتى أنت غلام غر راجل ولا أمن أن تجول الخيل فتطأك بأرجلها فارجع عن موضعك هذا.
فقال: أتأمرني بالرجوع؟ وقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار (15) ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (16)} [الأنفال: 15 - 16].
فحملته على هجين كان معي فقال: يا أبا قدامة ثلاثة أسهم.
فقلت: أهذا وقت قرض؟ فما زال يلح علي حتى قلت بشرط: إن من الله عليك بالشهادة أكون في شفاعتك.
قال: نعم. فأعطيته ثلاثة أسهم فوضع سهما في قوسه وقال: السلام عليك يا أبا قدامة. ورمى به فقتل روميا. ثم رمى بالآخر وقال: السلام عليك يا أبا قدامة فقتل روميا. ثم رمى بالآخر وقال: السلام عليك سلام مودع.
فجاءه سهم فوقع بين عينيه فوضع رأسه على قربوس (¬1) سرجه. فتقدمت إليه وقلت: لا تنسها.
فقال: نعم ولكن لي إليك حاجة: إذا دخلت المدينة فأت والدتي وسلم خرجي إليها وأخبرها فهي التي أعطتك شعرها لتقيد به فرسك، وسلم عليها فإنها العام الأول أصيبت بوالدي، وفي هذا العام بي ثم مات.
فحفرت له ودفنته. فلما هممنا بالانصراف عن قبره قذفته الأرض فألقته على ظهرها. فقال أصحابي: إنه غلام غر ولعله خرج بغير إذن أمه. فقلت: إن الأرض لتقبل من هو شر من هذا. فقمت وصليت ركعتين ودعوت الله عز وجل فسمعت صوتا يقول: يا أبا قدامة أنزل ولي الله.
Page 205