604

Mawsūʿat al-akhlāq waʾl-zuhd waʾl-raqāʾiq

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق

شد "أبو أحيحة" وثاق خالد، وأمر أتباعه أن يخرجوا به كل يوم عند الهاجرة إلى بطحاء مكة وأن يلقوه بين الحجارة حتى تصهره الشمس، فكان كلما أخرجوه وألقوه في الهاجرة يقول: الحمد لله الذي أكرمني بالإيمان، وأعزني بالإسلام، إن ذلك أهون علي من لحظة عذاب في جهنم التي أراد أن يلقيني فيها "أبو أحيحة". ثم حانت لخالد فرصة، فتفلت من سجن أبيه، ومضى إلى نبيه، ثم ما لبث أن لحقه أخواه عمرو وأبان، وانضما معه إلى موكب الخير والنور، عند ذلك أسقط في يدي "أبي أحيحة".

وقال: واللات والعزى لأعتزلن بمالي بعيدا عن مكة، فذلك خير لي، ولأهجرن أولئك الصباة الذين يعيبون آلهتي أربابي، ثم انتقل إلى قرية قريبة من الطائف، وظل فيها حتى مات كمدا على الشرك.

ولما أذن الرسول - صلى الله عليه وسلم -لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة نجا إليها خالد بن سعيد بن العاص ومعه زوجته أمينة بنت خلف الخزاعية .. وقد أقام فيها بضع عشرة سنة داعيا إلى الله، ولم يغادرها إلى المدينة إلا بعد أن فتح الله على المسلمين خيبر فسر الرسول بمقدمه أبلغ السرور، وقسم له من غنائم خيبر كما قسم للمحاربين، ثم ولاه اليمن فظل واليا عليها إلى أن لحق الرسول الكريم بجوار ربه (¬1).

3 - الثبات أمام بطش الظالمين:

أسلوب البطش من حيل المجرمين المفلسين حين لا تجدي الوسائل السالفة فيفقدون صوابهم ويثورون على أهل الحق لتمزيق أجسادهم إن استطاعوا حتى تغيب عن أعينهم رموز الصلابة، ويعتبر أسلوب البطش من أكثر أساليب الباطل شيوعا وتكرارا على مر التاريخ.

فهذا بلال بن رباح - رضي الله عنه - يجرد من ثيابه ويلقى على نار البطحاء ويثبت مستخفا بالظالمين، متحديا لهم، مصرا على مبدئه، معتزا به مهما لاقى في سبيله.

وهذا خباب بن الأرت - صلى الله عليه وسلم - كانوا يلقونه على فحم ملتهب ويضعون الصخرة عليه حتى لا يستطيع فكاكا من حريقه.

وهذا أفلح -مولى لبني عبد الدار- كانوا يربطونه من رجليه ويجرونه على الأرض.

وهذا عثمان بن عفان - رضي الله عنه - يلفه عمه في حصير ثم يدخن عليه ليختنق بداخله.

Page 221