وأتى اليوم الموعود فتوجهت وحدي إلى باريس صباحًا، من أجل تأشيرات الدخول إلى مصر، وعلى أن تلحق بي في قطار العشية في بيت (أنا كليتو سيريل)، وخرجت وفي محفظتي الجوازات والمبلغ الكافي لحجز المكان في أول باخرة تغادر مرسيليا في وجهتنا.
- لا أدري هل هناك شيطان خاص بأبناء المستعمرات، يتتبع خطواتهم أينما يتوجهون، وعلى أية حال لم يخطر مثل هذا ببالي ذلك الصباح وأنا أودع (أمي مورناس)، وأدلي بالتوصيات الأخيرة لزوجي، وأخرج من بيتي معتقدًا أنه يكفي جزائريًا يعيش في ظل الاستعمار، أن يكون في جيبه جواز السفر وما يكفيه من النقود ليسافر فعلًا كأي انسان.
وإذ اتبعني فعلًا في ذلك الصباح الشيطان، فإنه كان لاشك يضحك مني ويتهيأ ليعيش على حسابي أكبر مهزلة لعبها في حياته اللعينة.
وصلت إلى باريس فتوجهت في الحين نحو السفارة المصرية، وكان السفير يومئذ (فخري باشا)، وعندما وصلت إلى بابها ودخلت، شعرت أنني وضعت أقدامي على أرض وطني العربي أو الإسلامي أو الاثنين معًا.
فاستقبلني أحد السعاة وطلب مني تحريرًا وتوقيع الاستمارات المعدة لطلب التأشيرات، فسلمتها له مع الجوازات ثم دلني ساعٍ آخر على قاعة الانتظار، فوجدت أوربيين وخاصة أوربيات لم أكن أعرف بعد ما يجذبهن لزيارة أبي الهول ولا سبب هوايتهن لمناظر النيل، ولا البضاعة الخاصة التي يروجنها على ضفتيه، تلك البضاعة التي- كما سأعلم فيما بعد- لها رواج كبير في البلاد العربية خاصعة اليوم، بعد اكتشاف البترول والسيارات (المرسيدس).
ومن حين لآخر يظهر وجه الساعي في مدخل القاعة، فينادي أحد المنتظرين ثم يرجع ينادي آخر، وربما يكون قد أتى بعدي، ولم يخامر ذهني أن أعلق أي تعليق على ذلك متكسكًا بثقتي في البشر وبالصبر الجميل.