Ṭuruq al-kashf ʿan maqāṣid al-shāriʿ
طرق الكشف عن مقاصد الشارع
Publisher
دار النفائس للنشر والتوزيع
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م
Publisher Location
الأردن
Genres
•Science of Objectives
Regions
Algeria
مثل هذا السكوت لا يُعدّ إقرارًا للفعل على الإطلاق، وإنما يُفَرَّقُ بين كون الفاعل مسلمًا، أو غير مسلم: منافقًا كان أو كافرًا. فإذا كان الفاعل مسلمًا فإن سكوته ﷺ يدلّ على الإباحةِ إن لم يسبق تحريمه، ونسخِ الحظر أو الوجوب السابق إن كان هناك واحد منهما. ودليل هذا أن النبي ﷺ مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيَبْعُدُ أن يكون سكوتُه إحالةً على ما هو معلوم من ححم ذلك الفعل من وجوب أو حظر؛ إذْ في ذلك إقرار للمنكر ولا يمكن أن يقع منه ﷺ ذلك. ونسب إلى القاضي الباقلاني القول بأن السكوت لا يدلّ على الجواز ولا على النسخ؛ لأن السكوت وعدم الإنكار مُحْتَمِل، (١) فقد يكون سكوته ﷺ لعلمه بأن الفاعل حديث عهد بالإسلام لم يبلغه التحريم بعد فلم يكن الفعل عليه إذْ ذاك حرامًا، وقد يكون سكوته لأنه أنكر عليه من قَبْلُ فعاند ولم ينزجر فرأى ﷺ أن تكرار الإنكار عليه غير مُجْدٍ.
وما ذكره هؤلاء من احتمالات غير مؤسس، لأن احتمال عدم علم الفاعل بالتحريم لا يستدعي السكوت عليه، بل تبليغه وتعليمه، (٢) وهي مهمة الرسول ﷺ، واحتمال كونه أنكر عليه من قَبْل فلم ينتهِ غير مُسَلَّم أيضًا؛ إذْ عدم الإنتهاء لا يستلزم ترك الإنكار والتذكير كيف والله تعالى يقول له: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: ٥٥].
أما إذا كان الفاعل منافقًا معلوم النفاق، أو كافرًا فإن سكوته ﷺ لا يدلّ على إقرار الفعل وإنما هو إحالة على ما عُلِم من أحكام تلك الأفعال، كما وقع منه ﷺ من إقرار أهل الكتاب على ممارسة عقائدهم وشعائرهم الشركيّة، فليس في ذلك إقرار لذات الأفعال وتصحيح لها، وإنما إحالة على ما ظهر واستفاض من أحكام الشريعة في تلك العقائد والشعائر فالسكوت عنها من باب عدم توفر داعي الإنكار (٣)
ومن هذا النوع من السكوت سكوتُ الشارع عما يفهم بمفهوم الموافقة، أو
(١) انظر الزركشي: البحر المحيط، ج ٤، ص ٢٠٢.
(٢) انظر عبد العزيز البخاري: كشف الأسرار، ج ٣، ص ٢٨٧ - ٢٨٨.
(٣) انظر عبد العزيز البخاري: كشف الأسرار، ج ٣، ص ٢٨٧
1 / 185