Ṭuruq al-kashf ʿan maqāṣid al-shāriʿ
طرق الكشف عن مقاصد الشارع
Publisher
دار النفائس للنشر والتوزيع
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م
Publisher Location
الأردن
Genres
•Science of Objectives
Regions
Algeria
المبحث الثالث
علاقة سكوت الشارع بمرتبة العفو
مرتبة العفو -على رأي القائلين بها- هي مرتبة تقع بين الحلال والحرام، والدليل على وجودها ما ورد في القرآن الكريم من نهي الصحابة ﵃ عن سؤال النبي ﷺ عما سكت عنه الشرع في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، ونهي النبي ﷺ أيضًا عن ذلك فيما رواه الدارقطني عَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ الخُشَني ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: "إِنَّ الله ﷿ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ، فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا". (١)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﷺ قَالَ: كانَ رَسُولث الله ﷺ يَخْطُبُ، فَقَالَ: "يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الله تَعَالى فَرَضَ عَلَيْكُم الحَجَّ"، فَقَامَ رَجُلُ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يا رَسُولَ الله؟ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَجَعَلَ يُعْرضُ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ: "لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ مَا قُمْتُمْ بِهَا"، ثُمَّ قَالَ: "دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ سُؤَالُهُمْ وَاخْتِلاَفُهُم عَلَى أَنْبِيَائِهِم، فَإِذَا أَمَرْتُكُم بِأَمْرٍ فَأْتُوهُ مَا اسْتَطَعْتُم، وَإِذَا نَهَيْتُكُم عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوه". (٢)
فظاهر هذه النصوص أن هناك أشياء سكت عنها الشارع من غير نسيان لها، وإنما رحمة بالناس، فهي عفو باقية على الإباحة الأصلية. ويتبيّن من هذا أن سكوت الشارع عن ذكر أحكام بعض الأشياء إنما هو عفو عنها، وليس غفلة عن حكمها.
وقد قسم الشاطبي مرتبة العفو إلى ثلاثة أقسام:
١ - العمل بمقتضى أحد الدليلين المتعارضين وإن قوي المعارِض، وذلك في الحالات الآتية: (٣)
(١) الدارقظني: سنن الدارقطني، تحقيق السيد عبد الله هاشم يماني المدني، (القاهرة: دار المحاسن للطباعة، ١٣٨٦ هـ/ ١٩٦٦ م)، ج ٤، ص ١٨٣ - ١٨٤.
(٢) رواه الدارقطني: سنن الدارقطني، كتاب الحج، ج ٢، ص ٢٨١.
(٣) انظر الشاطبي: الموافقات، مج ١، ج ١، ص ١١٧ - ١١٩، ١٢٠ - ١٢٠.
1 / 190