251

Mujmal uṣūl ahl al-Sunna

مجمل أصول أهل السنة

مراتب القدر
القدر كثرت النزاعات والشبهات التي ترد على المسلم فيه، سواء كان شبهات ذاتية تنشأ من وساوس الشيطان، أو من التخييل أو من أحلام بعض الأمراض النفسية وغيرها؛ لأن الإنسان أكثر ما يتعرض في مسألة الغيبيات من وساوس القدر، سواء كانت شبهات ترد من الآخرين، أو مما يسمع أو مما يقرأ، أو شبهات تنشأ من نفسه أو من عبث الشيطان به.
فلذلك سأركز على الممارسات الخاطئة تجاه القدر؛ خاصة فيما يتعلق بالأوهام والوساوس، فأولًا: ينبغي لكل مسلم أن يعتقد أن الله قدّر كل شيء، فكل شيء هو بتقدير الله الخير أو الشر، وبعض المسلمين يتساءل وهذا السؤال ينشأ عنه ضلالات وقعت فيها أمم كبرى في التاريخ كالمجوسية وطوائف من أهل الكتاب وغيرها من الأمم الضالة الكثيرة التي أخطأت في تصور معين، حيث زعموا أنه لا يُنسب تقدير الشر إلى الله ﷿ زعمًا منهم أن هذا لا يليق، وما علموا أن هذا استنقاص لله ﷿؛ لأنه ما دام الشر موجودًا فلا بد أن يكون له موجد، فإذا ما كان الله ﷿ أوجده ابتلاء وفتنة فيكون هناك خالق آخر مع الله، وهذا لا يقر به عاقل ولا صاحب فطرة سليمة ولا يمكن أن يرد في ذهن الإنسان.
فالإيمان بالقدر يعني أن الله ﷿ قدّر كل شيء، وهو خالق كل شيء، لكن لماذا قدر الخير والشر؟ ولماذا لم يقدر الخير كله؟ هذا لحكمة بعضها ظاهر وبعضها غير ظاهر، أما الظاهر فيتبين بمثل قوله ﷿: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥] فهذا ابتلاء وامتحان؛ ليميز الله الخبيث من الطيب، ولذلك فإن الله ﷿ قرر هذا باستنهاض الفطرة واستنهاض العقل السليم في أسئلة ومقدمات عقلية مبسطة سهلة جدًا تقرر عند الإنسان التمييز بين الحق والباطل، وتقرر عند الإنسان الحكمة من الله ﷿ في التمييز بين الشر والخير، وأن الله ﷿ أوجد هذا وهذا ليميز الخبيث من الطيب، مثل قوله ﷿: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم:٣٥]، وكقوله ﷿: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨]، ثم إن الله ﷿ أعطى الإنسان بفطرته الفوارق بين الخير من حيث منشأه ومن حيث الوقوع فيه، ومن حيث نتيجته، وبين الشر من حيث منشأه والوقوع فيه ونتيجته، قد يجدها كل صاحب فطرة، وهذا عند كل إنسان حتى الذين لا يلتزمون الأديان نجد عندهم بقايا من ثوابت عقلية وفطرية يميزون فيها بين الخير والشر بين الرذيلة والفضيلة، ويدركون أن هناك حكمة من وجود هذا وذاك، فلو لم يوجد الشر لم يتميز الخير، ولو لم يوجد الباطل لم يتميز الحق والهدى وهكذا إذًا: يرجع ذلك كله لحكمة القدر خيره وشره من الله ﷿، وأن الله ﷿ مقدر كل شيء، وأنه ينبني على وجود الإيمان بجميع مراتب القدر الأربع، وبهذا تكتمل عند المسلم القناعة التامة واليقين التام إن شاء الله في أن الله بيده مقاليد كل شيء، وذلك راجع إلى المراتب الأربع التي هي: أن تؤمن وتجزم بأن الله عليم بكل شيء، فهو بكل شيء عليم سبحانه ما كان وما يكون وما سيكون لو كان كيف يكون، عليم بالدقيق والجليل لا تخفى عليه خافية سبحانه، عليم ليس بما في الصدور فقط، بل حتى بذات الصدور، وهي أعمق مما في الصدور، فهو لا يخفى عليه شيء ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] وهذا أمر بدهي، ثم بعد ذلك أن الله كتب مقادير كل شيء: الخير والشر، ثم إن الله ﷿ شاء كل شيء وأراده، فكل شيء فهو بمشيئة الله وإرادته، ثم إن الله خالق كل شيء هذه المراتب الأربع إذا استشعرها المسلم وغرسها في قلبه يسلم من كثير من قرائن الشبهات في القدر، ووساوس الشيطان.
ثم إن من أساسيات القدر أن تعلم أنه ﷿ لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، أي: لا يتعقبه أحد، ولا أحد يقول: لماذا، وكيف؟

9 / 14