ذلك إلى مسيلمة الكذاب باليمامة، ولقي المؤمنون في حربه
شدة عظيمة، وقتل في حربه طائفة من خيار الصحابة مثل زيد بن الخطاب، وثابت بن قيس بن الشماس، وأسيد بن حضير وغيرهم.
وفي الجملة فأمر مسيلمة الكذاب وادعاؤه النبوة واتباع بني حنيفة له باليمامة، وقتال الصديق لهم على ذلك، أمر متواتر مشهور، قد علمه الخاص والعام، كتواتر أمثاله. وليس هذا من العلم الذي تفرد به الخاصة، بل علم الناس بذلك أظهر من علمهم بقتال الجمل وصفين، فقد ذكر عن بعض أهل الكلام أنه أنكر الجمل وصفين، وهذا الإنكار - وإن كان باطلا - فلم نعلم أحدا أنكر قتال أهل اليمامة، وأن مسيلمة الكذاب ادعى النبوة، وأنهم قاتلوه على ذلك.
لكن هؤلاء الرافضة من جحدهم لهذا وجهلهم به بمنزلة إنكارهم لكون أبي بكر وعمر دفنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنكارهم لموالاة أبي بكر وعمر للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ودعواهم أنه نص على علي بالخلافة. بل منهم من ينكر أن تكون زينب ورقية وأم كلثوم من بنات النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويقولون: إنهن لخديجة من زوجها الذي كان كافرا قبل النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ومنهم من يقول: إن عمر غصب بنت علي حتى زوجه بها، وأنه تزوج غصبا في الإسلام. ومنهم من يقول: إنهم بعجوا بطن فاطمة حتى أسقطت، وهدموا سقف بيتها على من فيه، وأمثال هذه الأكاذيب التي يعلم من له أدنى علم ومعرفة أنها كذب، فهم دائما يعمدون إلى الأمور المعلومة المتواترة ينكرونها، وإلى الأمور المعدومة التي لا حقيقة لها يثبتونها. فلهم أوفر نصيب من قوله تعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق} (1) ، فهم يفترون الكذب ويكذبون بالحق، وهذا حال المرتدين.
وهم يدعون أن أبا بكر وعمر ومن اتبعهما ارتدوا عن الإسلام. وقد علم الخاص والعام أن أبا بكر هو الذي قاتل المرتدين، فإذا كانوا يدعون أن أهل اليمامة مظلومون قتلوا بغير حق، وكانوا منكرين لقتال أولئك متأولين لهم، كان هذا مما يحقق أن هؤلاء الخلف تبع لهؤلاء السلف، وأن الصديق وأتباعه يقاتلون المرتدين في كل زمان.
وقوله: ((إنهم سموا بني حنيفة مرتدين، لأنهم لم يحملوا الزكاة إلى أبي بكر)) .
Page 215