وأما ولاية غير أبي بكر فكان يشاركه فيها غيره، كولاية علي وغيره؛ فلم يكن لعلي ولاية إلا ولغيره مثلها، بخلاف ولاية أبي بكر، فإنها من خصائصه، ولم يول النبي - صلى الله عليه وسلم - على أبي بكر لا أسامة بن زيد ولا عمرو بن العاص.
فأما تأمير أسامة عليه فمن الكذب المتفق على كذبه.
وأما قصة عمرو بن العاص، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أرسل عمرا في سرية، وهي غزوة ذات السلاسل، وكانت إلى بني عذرة، وهم أخوال عمرو، فأمر عمرا ليكون ذلك سببا لإسلامهم، للقرابة التي له منهم. ثم أردفه بأبي عبيدة، ومعه أبو بكر وعمر وغيرهما من المهاجرين. وقال:
((تطاوعا ولا تختلفا)) فلما لحق عمرا قال: أصلي بأصحابي وتصلي بأصحابك. قال: بل أنا أصلي بكم؛ فإنما أنت مدد لي. فقال له أبو عبيدة: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني أن أطاوعك، فإن عصيتني أطعتك. قال: فإنى أعصيك. فأراد عمرو أن ينازعه في ذلك، فأشار عليه أبو بكر أن لا يفعل.
ورأى أبو بكر أن ذلك أصلح للأمر، فكانوا يصلون خلف عمرو، مع علم كل أحد أن أبا بكر وعمر وأبا عبيدة أفضل من عمرو.
وأما قول الرافضي: إنه لما أنفذه ببراءة رده بعد ثلاثة أيام؛ فهذا من الكذب المعلوم؟ أنه كذب. فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمر أبا بكر على الحج، ذهب كما أمره، وأقام الحج في ذلك العام، عام تسع، للناس، ولم يرجع إلى المدينة حتى قضى الحج، وأنفذ فيه ما أمره به النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن المشركين كانوا يحجون البيت، وكانوا يطوفون بالبيت عراة، وكان بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين المشركين عهود مطلقة، فبعث أبا بكر وأمره أن ينادي: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. فنادى بذلك من أمره أبو بكر بالنداء ذلك العام، وكان علي بن أبي طالب من جملة من نادى بذلك في الموسم بأمر أبي بكر، ولكن لما خرج أبو بكر أردفه النبي - صلى الله عليه وسلم - بعلي بن أبي طالب لينبذ إلى المشركين العهود.
قالوا: وكان من عادة العرب أن لا يعقد العهود ولا يفسخها إلا المطاع، أو رجل من أهل بيته. فبعث عليا لأجل فسخ العهود التي كانت مع المشركين خاصة، لم يبعثه لشيء آخر. ولهذا كان علي يصلي خلف أبي بكر، ويدفع بدفعه في الحج، كسائر رعية أبي بكر الذين كانوا معه في الموسم.
Page 261