الشهود. ومن قال بالقول الآخر لم ينازع في أن هذه مسألة اجتهاد. وقد تقدم أن ما يرد على علي بتعطيل إقامة القصاص والحدود على قتلة عثمان أعظم. فإذا كان القادح في علي مبطلا، فالقادح في عمر أولى بالبطلان.
وقوله: ((وكان يعطي أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - من بيت المال أكثر مما ينبغي. وكان يعطي عائشة وحفصة من المال في كل سنة عشرة آلاف درهم)) .
فالجواب: أما حفصة فكان ينقصها من العطاء لكونها ابنته، كما نقص عبد الله بن عمر. وهذا من كمال احتياطه في العدل، وخوفه مقام ربه، ونهيه نفسه عن الهوى. وهو كان يرى التفضيل في العطاء بالفضل، فيعطي أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أعظم مما يعطي غيرهن من النساء، كما كان يعطي بني هاشم من آل أبي طالب وآل العباس أكثر مما يعطي من عداهم من سائر القبائل. فإذا فضل شخصا كان لأجل اتصاله برسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لسابقته واستحقاقه. وكان يقول: ليس أحد أحق بهذا المال من أحد، وإنما هو الرجل وغناؤه، والرجل وبلاؤه، والرجل وسابقته ، والرجل وحاجته. فما كان يعطي من يتهم على إعطائه بمحاباة في صداقة أو قرابة، بل كان ينقص ابنه وابنته ونحوهما عن نظرائهم في العطاء، وإنما كان يفضل بالأسباب الدينية المحضة، ويفضل أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - على جميع البيوتات ويقدمهم.
وهذه السيرة لم يسرها بعده مثله لا عثمان ولا علي ولا غيرهما. فإن قدح فيه بتفضيل أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، فليقدح فيه بتفضيل رجال أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بل وتقديمهم على غيرهم.
(فصل)
</span>
وأما قوله: ((وغير حكم الله في المنفيين)) .
فالجواب: أن التغيير لحكم الله بما يناقض حكم الله، مثل إسقاط ما أوجبه الله، وتحريم ما أحله الله. والنفي في الخمر كان من باب التعزير الذي يسوغ فيه الاجتهاد. وذلك أن الخمر لم يقدر النبي - صلى الله عليه وسلم - حدها: لا قدره ولا صفته، بل جوز فيها الضرب بالجريد والنعال، وأطراف الثياب وعثكول النخل. والضرب في حد القذف والزنا إنما يكون بالسوط.
Page 277