ويَنْقَسِمُ الغريبُ أيضًا مِنْ وجهٍ آخَرَ، فمنهُ ما هُوَ غريبٌ (١) مَتْنًا وإسْنادًا وهوَ الحديثُ الذي تَفَرَّدَ بروايةِ مَتْنِهِ راوٍ واحدٌ.
ومنهُ ما هوَ غريبٌ إسْنادًا لا مَتْنًا كالحديثِ الذي مَتْنُهُ مَعروفٌ مَرْوِيٌّ عَنْ جَمَاعةٍ مِنَ الصَّحابةِ إذا تَفَرَّدَ (٢) بعضُهُمْ بروايتِهِ عَنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ كانَ غَريبًا مِنْ ذلكَ الوجهِ معَ أنَّ مَتْنَهُ غيرُ غريبٍ. ومِنْ ذَلِكَ غرائبُ الشُّيُوخِ في أسانيدِ المتونِ الصحيحةِ (٣). وهذا الذي يَقُولُ فيهِ التِّرْمِذِيُّ: «غريبٌ مِنْ هذا الوجْهِ». ولا أرى هذا النوعَ يَنْعَكِسُ، فلا يُوجدُ إذَنْ ما هوَ غريبٌ مَتْنًا وليسَ غريبًا إسْنادًا إلاَّ إذا اشْتَهَرَ الحديثُ الفَرْدُ عَمَّنْ تَفَرَّدَ بهِ فرَواهُ عنهُ عددٌ كثيرونَ فإنَّهُ يَصِيرُ غريبًا مَشْهُورًا، وغريبًا مَتْنًا وغيرَ غريبٍ إسْنادًا لكنْ بالنَّظَرِ إلى أحدِ طَرَفَي الإسنادِ، فإنَّ إسنادَهُ مُتَّصِفٌ بالغرابةِ في طَرَفِهِ الأوَّلِ مُتَّصِفٌ بالشُّهْرَةِ في طَرَفِهِ الآخَرِ، كحَديثِ: «إنَّمَا الأعْمالُ بالنِّيَّاتِ» (٤)، وكسَائِرِ الغرائِبِ التي اشْتَمَلَتْ عليها التَّصَانيفُ المشْتَهرَةُ (٥)، واللهُ أعلمُ.
النَّوْعُ الثَّانِي والثَّلاَثُونَ
مَعْرِفَةُ غَرِيْبِ الْحَدِيْثِ
وهوَ عِبارةٌ عَمَّا وَقَعَ في مُتُونِ الأحاديثِ مِنَ الألفاظِ الغامِضَةِ البَعيدةِ مِنَ الفَهْمِ لِقِلَّةِ اسْتِعْمالِها.
هذا فَنٌّ مُهِمٌّ يَقْبُحُ جَهْلُهُ بأهلِ الحديثِ خاصَّةً ثُمَّ بأهلِ العِلْمِ عامَّةً، والخوضُ فيهِ ليسَ بالْهَيِّنِ، والخائِضُ فيهِ حَقِيْقٌ بالتَّحَرِّي جديرٌ بالتَّوَقِّي. رُوِّيْنا عَنِ الميْمُونِيِّ، قالَ:
(١) انظر: التقييد والإيضاح: ٢٧٣.
(٢) في (ب): «انفرد».
(٣) انظر: محاسن الاصطلاح: ٣٩٦.
(٤) سَبَقَ تخريجه.
(٥) في (أ): «المشهرة»، وفي (م): «المشهورة».