فَفِي الحديثِ الأوَّلِ نَفَى ﷺ ما كانَ يَعْتَقِدُهُ الجاهِلِيُّ (١) مِنْ أنَّ ذَلِكَ يُعْدِي بِطَبْعِهِ ولهذا قالَ: «فَمَنْ أعْدَى الأوَّلَ؟». وفي الثاني أعلَمَ بأنَّ اللهَ سُبْحانَهُ جَعَلَ ذَلِكَ سَبَبًا لِذَلِكَ، وحَذَّرَ مِنَ الضَّرَرِ الَّذِي يَغْلِبُ وجُودُهُ عِنْدَ وجُودِهِ بِفِعْلِ اللهِ ﷾، ولهذا في الحديثِ أمثالٌ كثيرةٌ (٢). وكتابُ " مُختلِفِ الحديثِ " لابنِ قُتَيْبَةَ في هَذَا المعنى، إنْ لَمْ يكنْ قدْ أحسَنَ فيهِ مِنْ وجْهٍ، فَقَدْ أسَاءَ في أشْياءَ منهُ قَصُرَ باعُهُ فِيْهَا، وأتَى بِمَا غيرُهُ أَوْلَى وأقْوَى. وقَدْ رُوِّيْنا عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إسْحاقَ بنِ خُزَيمةَ الإمامِ أنَّهُ قالَ: «لا أعرِفُ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النبيِّ (٣) ﷺ حديثانِ -بإسْنادَينِ صحيحينِ- مُتَضَادَّيْنِ، فَمَنْ كانَ عِنْدَهُ فليَأْتِنِي بهِ لأُؤَلِّفَ بَيْنَهُما» (٤).
القِسْمُ الثَّانِي: أنْ يَتَضَادَّا بحيثُ لا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُما، وذَلِكَ عَلَى ضَرْبَينِ:
أحَدُهُما: أنْ يَظْهَرَ كَونُ أحَدِهِما ناسِخًا والآخَرُ مَنْسُوخًا، فَيُعْمَلُ بالنَّاسِخِ ويُتْرَكُ المنسُوخُ.
والثَّاني: أنْ لا تَقُومَ دلالةٌ عَلَى أنَّ الناسِخَ أيُّهُما والمنسُوخَ أيُّهُما، فَيُفزَعَ حِيْنَئذٍ إلى التَّرْجِيحِ ويُعْمَلَ بالأرْجَحِ منْهُما والأثْبَتِ، كالتَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الرُّواةِ، أوْ بِصِفاتِهِمْ في خمسينَ وَجْهًا مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحاتِ وأكثرَ (٥)، ولِتَفصِيلها موضِعٌ غيرُ (٦) ذا، واللهُ سُبْحانَهُ أعلمُ.
(١) في (م): «الجاهل».
(٢) راجع: محاسن الاصطلاح ٤١٥.
(٣) في (م) و(جـ): «عن رسول الله».
(٤) انظر: شرح التبصرة والتذكرة ٢/ ٤٣٣.
(٥) ذكرها الحازمي في كتابه الاعتبار: ٧ - ١٥، وسردها العراقي في شرح التبصرة ٢/ ٤٣٥ - ٤٣٨، وانظر: الكفاية (٦٠٩ - ٦١٠ ت، ٤٣٤ - ٤٣٦ هـ).
(٦) وقد ذكر الحافظ العراقي ما يزيد على المئة، فلتراجع في التقييد: ٢٨٦، وانظر: شرح التبصرة
٢/ ٤٣٥.