Al-Masawadda fī uṣūl al-fiqh
المسودة في أصول الفقه
Editor
محمد محيى الدين عبد الحميد
Publisher
المدني
Publisher Location
القاهرة
فأما ان ثبت أن العموم أو الاطلاق أو الاستصحاب منزل على نوع دون نوع فهل يجوز الاستمساك به فيما عدا النوع المتفق على خروجه هذا أقوى من الاول وهو فى الاستصحاب أقوى منه فى الخطاب وذلك لان صاحب التحديد بالثلاثة مثلا لا بد له من دليل يختص به على التحديد بها كما أن صاحب العشرة لا بد له من دليل على التحديد بالعشرة فتكافآ فى ذلك فم يجز لاحدهما الاستدلال بالظاهر وحده لعدم دلالة الظاهر وحده على مذهبه وأما النوع فالدليل المخرج له من العموم يتفقان فيه فمن أراد اخراج نوع آخر فعليه دليل ثان وحاصله أن خروج نوع يتفقان فى الدلالة عليه كما اتفقا فى حكمه وخروج ما بينهما من المقدار لا يتفقان فى دليله كما لا يتفقان فى حكمه وانما هو اجماع مركب فهو نظير القياس على أصل مركب وأضعف منه ومثل ذلك فى الفروع الاحتجاج بعموم آية السرقة فى سارق ما أصله الاباحة وما يسرع فساده ولولا ذلك لما جاز الاستمساك بعام مخصوص وانما يقبح ذلك اذا كثرت الانواع المخصوصة بحيث يكون النوع المتروك أقل من الانواع المخرجة فهذا فيه تفصيل ونظر وهذا قد يتعارض فيه الاضمار والتخصيص فقيل هما سواء وقيل التخصيص أولى ويتعارض فيه المجاز والتخصيص وهذا البحث قد يقدح فى الاستمساك بأقل ما قيل لان القائل بوجوب ثلث دية المسلم لا بد من دليل غير الاجماع وغير براءة الذمة اذ ليس الثلث بأولى من الربع ومن الخمس والمناظرة انما هى مع ذلك القائل الاول لا مع الثاني والثالث واجماعهم على وجوب الثلث نوع من الاجماعات المركبة فان وجوبه من لوازم القول بوجوب النصف والجميع فالقائل بوجوب النصف يقول انما وجبت النصف لدليل فإن كان صحيحا وجب القول به وان كان ضعيفا فلست موافقا على وجوب الثلث كما يقال مثل ذلك فى حلى الصغيرة وعشر الخضروات الخراجية واجبار بنت خمس عشرة لكن القولان المركبان قد يكون كل واحد منهما أعم من الاخر كما فى هذه النظائر وقد يكون أحدهما هو العام كما فى نصاب السرقة وكما فى التقابض فإن بعضهم يستعمل مثل هذا وفيه نظر مثل أن يقال للام مع الاخوين اتفقوا على وجوب السدس واختلفوا فيما زاد عليه والاصل عدمه فان القائل بالثلث كذلك فهذا يشبه القول بأقل ما قيل بل هو هو ولو قال أيضا قد اتفقوا على توريث الجد واختلفوا فى توريث الاخوة لكان ضعيفا لان القدر الذى اتفقوا عليه انما هو مالم يقل انه حق الاخ الا ان يحتج على ميراث الجد بنص وبنفى ميراث الاخ بالاصل فهذا نوع آخر وقد يقال المقتضى لتوريث الجد الجميع ثابت بالاجماع وانما المانع منه المزاحمة وهى منتفية بالاصل فهذا قريب من التمسك بأقل ما قيل بل هو أقوى منه لان الاجماع على استحقاق الجميع عند عدم المزاحم اجماع مفرد لا مركب
وهنا مسائل كثيرة من الظواهر السمعية والعقلية التى قد علم بالنص أو الاجماع أو العقل أن دلالتها ليست مطلقة وغالب كلام المتنازعين فى هذا النوع من الادلة وهو محتاج إلى تحقيق وتفصيل اذ الكلام فى أنواع الادلة ثم فى أنواع التقييدات من جهة والتنويع والقلة والكثرة وغير ذلك والله أعلم
وقد رأيتهم يستعملون مثل ما ذكرناه أولا فى القياس كقولهم فى أكثر الحيض دم يمنع فرض الصلاة وجواز الوطء فجاز أن يزيد على العشرة كالنفاس وهذا عندى من أفسد ما يكون من جهة أن الحكم فى الاصل ليس بحكم الفرع ومن جهة أن لا يمكنه أن يقول مقتضى القياس الاستواء مطلقا وانما خالفناه فيما زاد للاجماع لان معارضة الاجماع للقياس فى مقتضاه دليل فى فساده بخلاف معارضته للنص أو الاستصحاب وأيضا فان وجوب طرد القياس ليس كغيره من الادلة
Page 439