312

Taqrīb fatāwā Ibn Taymiyya

تقريب فتاوى ابن تيمية

Publisher

دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٤١ هـ

Publisher Location

السعودية

إذ لَا يَجُوز التَّوَاطُؤُ عَلَى كِتْمَانِ مَا يُحْتَاجُ إلَى نَقْلِهِ وَمَعْرِفَتِهِ لِجَرَيَانِ ذَلِكَ فِي الْقُبْحِ مَجْرَى التَّوَاطُؤِ عَلَى نَقْلِ الْكَذِبِ وَفِعْلِ مَا لَا يَحِلُّ.
بَل بَلَغَ مِن مُبَالَغَتِهِمْ فِي السُّكُوتِ عَن هَذَا: أَنَّهُم كَانُوا إذَا رَأَوْا مَن يَسْأَلُ عَن الْمُتَشَابِهِ بَالَغُوا فِي كَفِّهِ:
- تَارَةً بِالْقَوْلِ الْعَنِيفِ.
- وَتَارَةً بِالضَّرْبِ.
- وَتَارَةً بِالْإِعْرَاضِ الدَّالِّ عَلَى شِدَّةِ الْكَرَاهَةِ لِمَسْأَلَتِهِ.
وَلَمَّا سُئِلَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] كَيْفَ اسْتَوَى؟
فَأَطْرَقَ مَالِكٌ وَعَلَاهُ الرُّحَضَاءُ -يَعْنِي الْعَرَقَ- وَانْتَظَرَ الْقَوْمُ مَا يَجِيءُ مِنْهُ فِيهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّائِلِ وَقَالَ: "الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، وَأَحْسَبُك رَجُلُ سُوْءٍ"، وَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ.
وَهَذَا الْجَوَابُ مِن مَالِكٍ ﵀ فِي الِاسْتِوَاءِ شَافٍ كَافٍ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ؛ مِثْل النُّزُولِ، وَالْمَجِيءِ، وَالْيَدِ، وَالْوَجْهِ، وَغَيْرِهَا.
فَيُقَالُ فِي مِثْل النُّزولِ: النُّزُولُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ.
وَهَكَذَا يُقَالُ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ؛ إذ هِيَ بِمَثَابَةِ الِاسْتِوَاءِ الْوَارِدِ بهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
وَثَبَتَ عَن مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ -صَاحِبِ أَبِي حَنيفَةَ- أَنَّهُ قَالَ: "اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ كُلُّهُم مِن الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ عَلَى الْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ وَالْأَحَادِيثِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الثِّقَاتُ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي صِفَةِ الرَّبِّ ﷿ مِن غَيْرِ تَفْسِيرٍ وَلَا وَصْفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ، فَمَن فَسَّرَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَقَد خَرَجَ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ،

1 / 318