Taqrīb fatāwā Ibn Taymiyya
تقريب فتاوى ابن تيمية
Publisher
دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٤١ هـ
Publisher Location
السعودية
وَكَذَلِكَ قَوْلُ صَالِحٍ ﵇: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] هوَ كَقَوْلِ شُعَيْبٍ: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾ [هود: ٩٠]، وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَه: ﴿قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] مَقْرون بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، أَرَادَ بِهِ قَرِيبٌ مُجِيبٌ لِاسْتِغْفَارِ الْمُسْتَغْفِرِينَ التَّائِبِينَ إلَيْهِ، كَمَا أنَّه رَحِيمٌ وَدُودٌ بِهِمْ، وَقَد قَرَنَ الْقَرِيبَ بِالْمُجِيبِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُقَالُ إنَّهُ مُجِيبٌ لِكُل مَوْجُودٍ، وإِنَّمَا الْإِجَابَةُ لِمَن سَأَلَهُ وَدَعَاهُ، فَكَذَلِكَ قُرْبُهُ -سبحانه وتعالي-.
وَأَسْمَاءُ اللهِ الْمُطْلَقَةُ؛ كَاسْمِهِ السَّمِيعِ، وَالْبَصِيرِ، وَالْغَفُورِ، وَالشَّكُورِ، وَالْمُجِيبِ، وَالْقَرِيبِ: لَا يَجِبُ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِكلِّ مَوْجُودٍ؛ بَل يَتَعَلَّقُ كُلُّ اسْمٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ، وَاسْمُهُ الْعَلِيمُ لَمَّا كَانَ كُلُّ شَيْءٍ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا تَعَلَّقَ بِكُلِّ شَيءٍ.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: ١٦]: فَالْمُرَادُ بِهِ قُرْبُهُ إلَيْهِ بِالْمَلَائِكَةِ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عَن الْمُفَسِّرِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ مِن السَّلَفِ، قَالُوا: مَلَكُ الْمَوْتِ أَدْنَى إلَيْهِ مِن أَهْلِهِ وَلَكِنْ لَا تبصِرُونَ الْمَلَائِكَةَ.
وَقَد قَالَ طَائِفَةٌ: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ [الواقعة: ٨٥] بِالْعِلْمِ، وَقَالَ بَعْضُهُم: بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، وَلَفْظُ بَعْضِهِمْ: بِالْقُدْرَةِ وَالرُّؤْيةِ.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ ضَعِيفَةٌ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَصْفُة بِقُرْب عَامٍّ مِن كُلِّ مَوْجُودٍ حَتَّى يَحْتَاجُوا أَنْ يَقُولُوا بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالرُّؤيَةِ.
وَكَأَنَّهُم ظَنُّوا أَنَّ لَفْظَ الْقُرْبِ مِثْل لَفْظِ الْمَعِيَّةِ؛ فَإِنَّ لَفْظَ المَعِيَّةِ فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ وَالْمُجَادَلَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، وقَوْله تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
وَقَد ثَبَتَ عَن السَّلَفِ أَنَّهُم قَالُوا: هُوَ مَعَهُم بِعِلْمِهِ.
1 / 420