455

Taqrīb fatāwā Ibn Taymiyya

تقريب فتاوى ابن تيمية

Publisher

دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٤١ هـ

Publisher Location

السعودية

وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي لَفْظِ الْإِتْيَانِ وَالْمَجِيءِ، وَإِن كَانَ فِي مَوْضِعٍ قَد دَلَّ عِنْدَهُم عَلَى أَنَّهُ هُوَ يَأتِي: فَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَأْتِي بِعَذَابِهِ؛ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦]، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢].
فَتَدَبَّرْ هَذَا؛ فَإنَّهُ كَثِيرًا مَا يَغْلَطُ النَّاسُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إذَا تَنَازَعَ الْنُّفَاةُ وَالْمُثْبِتَةُ فِي صِفَةٍ وَدَلَالَةٍ نُصَّ عَلَيْهَا، يُرِيدُ الْمُرِيدُ أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ اللَّفْظَ -حَيْثُ وَرَدَ- دَالًّا عَلَى الصِّفَةِ وَظَاهِرًا فِيهَا، ثُمَّ يَقُولُ النَّافِي: وَهُنَاكَ لَمْ تَدُلَّ عَلَى الصِّفَةِ فَلَا تَدُلُّ هُنَا، وَقَد يَقُولُ بَعْضُ الْمُثْبِتَةِ: دَلَّتْ هُنَا عَلَى الصِّفَةِ فَتَكُونُ دَالَّةً هُنَاكَ.
بَل لَمَّا رَأَوْا بَعْضَ النُّصُوصِ تَدُلُّ عَلَى الصِّفَةِ: جَعَلُوا كُلَّ آيَةِ فِيهَا مَا يَتَوَهَّمُونَ أَئهُ يُضَافُ إلَى اللهِ تَعَالَى -إضَافَةَ صِفَةٍ- مِن آيَاتِ الصِّفَاتِ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦].
وَهَذَا يَقَعُ فِيهِ طَوَائِفُ مِن الْمُثْبِتَةِ والْنُّفَاةِ، وَهَذَا مِن أَكْبَرِ الْغَلَطِ؛ فَإنَّ الدَّلَالَةَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ:
أ - بِحَسَبِ سِيَاقِهِ.
ب - وَمَا يُحَفُّ بِهِ مِن الْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ وَالْحَاليَّةِ (^١).

(^١) مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [سبأ: ٣١]، فلا يُقال بأن للقرآن يدين!
بل المعنى: وَلَا بالَّذِي كَانَ أَمَامَهُ سَابِقًا عَلَيْهِ مِنَ الْكُتُب.
وذلك أن لَفْظَ الْيَدَيْنِ قَد يُسْتَعْمَلُ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ اسْتَعْمَالًا خَاصًّا، بِلَفْظٍ خَاصٍّ لَا تُقْصَدُ بِهِ فِي ذَلِكَ النِّعْمَةُ وَلَا الْجَارِحَةُ وَلَا الْقُدْرَةُ، وإنَّمَا يُرَادُ بهِ مَعْنَى أَمَام.
وَاللَّفْظُ الْمُخْتَصُّ بِهَذَا الْمَعْنَى هُوَ لَفْظَةُ الْيَدَيْنِ الَّتِيَ أُضِيفَتْ إِلَيْهَا لَفْظَةُ "بَيْنَ" خَاصَّةً، أعْنِي لَفْظَةَ "بَيْنَ يَدَيْهِ"، فَإنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ أمَامُهُ. وَهُوَ اسْتِعْمَال عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ فِي لُغَةِ الْعَرَب لَا يُقْصَدُ فِيهِ مَعْنَى الْجَارِحَةِ وَلَا النِّعْمَةِ وَلَا الْقُدْرَةِ، وَلَا أَيَّ صِفَةٍ كَائِنَةٍ مَا كَانَتْ. يُنظر: أضواء البيان (٧/ ٢٨٨).

1 / 461