فإنه كوفيّ متقدّم، قد أدرك المغيرة بن شعبة، ومات المغيرة قبل عائشة ﵂، وعند مسلم التعاصر مع إمكان التلاقي كاف في ثبوت الإدراك، فلو ورد عن ميمون أنه قال: لم ألق عائشة ﵂، استقام لأبي داود الجزم بعدم إداركه، وهيهات ذلك.
قال النوويّ: وحديث عائشة ﵂ هذا أخرجه البزّار في "مسنده"، وقال: هذا الحديث لا يُعلم عن النبيّ ﷺ إلا من هذا الوجه. هذا، وقد رُوي عن عائشة ﵂ من غير هذا الوجه، موقوفًا. والله تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ. (١).
وقال الحافظ السخاويّ رحمه الله تعالى في "المقاصد الحسنة": ما حاصله: هذا الحديث وصله أبو نعيم في "المستخرج" وغيره، كأبي داود في "سننه"، وابن خزيمة في "صحيحه"، والبزّار، وأبي يعلى في "مسنديهما"، والبيهقيّ في "الأدب"، والعسكريّ في "الأمثال"، وغيرهم، كلهم من طريق ميمون بن أبي شبيب، قال: "جاء سائل إلى عائشة ﵂، فأمرت له بكِسرة، وجاء رجل ذو هيئة، فأقعدته معها، فقيل لها: لم فعلت ذلك؟ قالت: أُمرنا ... " وذكره. ومنهم من اختصر هذا، ولفظ أبي نُعيم في "الحلية": "أن عائشة ﵂ كانت في سفر، فأمرت لناس من قريش بغداء، فمرّ رجل غنيّ ذو هيئة، فقالت: ادعوه، فنزل، فأكل، ومضى، وجاء سائل، فأمرت له بكسر، فقالت: إن هذا الغنيّ لم يجمُل بنا إلا ما صنعناه به، وإن هذا السائل، سأل، فأمرت له بما يترضاه، وإن رسول الله ﷺ" .. وذكره. وقد صحح هذا الحديث الحاكم وغيره، وتُعُقّب بالانقطاع، وبالاختلاف على راويه في رفعه ووقفه.
قال: وورد عن غير عائشة ﵂ من الصحابة ﵃ في ذلك، كحديث معاذ ﵁ عند الخرائطيّ في "المكارم"، مرفوعًا بلفظ: "أنزل الناس منالهم من الخير والشرّ، وأحسن أدبهم على الأخلاق الصالحة"، وحديث جابر ﵁، وحديثه مرفوع في جزء الغسوليّ بلفظ: "جالسوا الناس على قدر أحسابهم، وخالطوا الناس على قدر أديانهم، وأنزل الناس على قدر منالهم، وداروا الناس بعقولكم"، وحديث علي بن أبي طالب ﵁، وحديثه موقوف في "أنس العاقل، وتذكر الغافل" لأبي النرسيّ بلفظ: "من أنزل الناس منازلهم رفع المؤنة عن نفسه، ومن رفع أخاه فوق قدره اجترّ عداوته".
ثم قال: بالجملة فحديث عائشة ﵂ حسنٌ. انتهى "المقاصد الحسنة" ٩٢ - ٩٣ ببعض تصرّف.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن حديث عائشة ﵂ هذا ضعيف؛
(١) "مقدّمة شرح صحيح مسلم" ١/ ١٩.