273
.. قلت: وأيًا كان السبب، فإن ما أطلقه الزمخشرى، وتابعه فيه خصوم السنة النبوية، والسيرة العطرة، فى حق النبى ﷺ تقول وافتراء، والنبى ﷺ مما أطلقوه براء، وذلك أن تحريم ما أحله الله على وجهين:
الوجه الأول: اعتقاد ثبوت حكم التحريم فيه، فهذا بمثابة اعتقاد حكم التحليل فيما حرمه الله ﷿، وكلاهما محظور لا يصدر من المتسمين بسمة الإيمان، وإن صدر! سلب المؤمن حكم الإيمان.
... والزمخشرى كلامه محمول على هذا المحمل، ومعاذ أن يعتقد رسول الله ﷺ تحريم ما أحله الله له... وما هذه من الزمخشرى إلا جراءة على الله ورسوله؛ تابعه فيها بعض أدعياء العلم على ما سبق.
الوجه الثانى: الامتناع عما أحله الله ﷿، وهو المعنى الأصلى لمادة "حرم" فى اللغة (١) وقد ورد التحريم بهذا المعنى فى القرآن الكريم فى آيات منها:
قوله تعالى: ﴿وحرمنا عليه المراضع من قبل﴾ (٢) أى منعنا موسى المراضع، أن يرتضع منهن إلا من قِبَلِ أمه (٣) .
وقوله ﷿: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة﴾ (٤) أى منعه من دخولها.
وقوله سبحانه: ﴿كل الطعام كان حلًا لبنى إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه﴾ (٥) أى إلا ما امتنع عنه سيدنا يعقوب ﵇ عنه من قبل نفسه.
والامتناع عما أحله الله قد يكون مؤكدًا باليمين مع اعتقاد حله، وهذا مباح صرف، وحلال محض.

(١) فحرمه، وتحريمه، وحرمانًا، وأحرمه، أى منعه. والمحروم: الممنوع عن الحير، ومن لا ينمى له مال، ومنه الصيام إحرام، لامتناع الصائم عما يفسد صومه ينظر: معجم مقاييس اللغة ٢/٤٥، والقاموس المحيط ٤/٩٣، ومختار الصحاح ص١٣٢، والنهاية فى غريب الحديث ١/٣٥٨.
(٢) الآية ١٢ القصص.
(٣) جامع البيان للطبرى ٢٠/٤٠.
(٤) الآية ٧٢ المائدة.
(٥) الآية ٩٣ آل عمران.

1 / 273