116

Mawāʿiẓ al-Ṣaḥāba li-ʿUmar al-Muqbil

مواعظ الصحابة لعمر المقبل

Publisher

مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٣٥ هـ

Publisher Location

الرياض - المملكة العربية السعودية

• ومن مواعظه قوله ﵁ (١):
«إيَّاكم والفتن لا يشخص لها أحدٌ، والله ما شخص فيها أحدٌ إلا نسفته كما ينسف السيل الدِّمن، إنَّها مشبهةٌ مقبلةً، حتى يقول الجاهل: هذه تُشبه مُقبلة، وتتبيَّن مُدبرة، فإذا رأيتموها فاجثموا في بيوتكم، وكسِّروا سيوفكم، وقطِّعوا أوتادكم».
حين يتحدَّث حذيفة ﵁ عن الفتن فهو يتحدَّث عنها حديث الخبير البصير، كيف وقد أدرك أوائلها، وعرف مداخلها ومخارجها؟! حتى قال: «والله، إنِّي لأعلم الناس بكلِّ فتنة هي كائنةٌ فيما بيني وبين الساعة، وما بي إلا أن يكون رسول الله ﷺ أسرَّ إليَّ في ذلك شيئًا لم يحدِّثه غيري، ولكن رسول الله ﷺ قال وهو يحدِّث مجلسًا أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله ﷺ وهو يعدُّ الفتن: (منهنَّ ثلاثٌ لا يكدن يذرن شيئًا، ومنهنَّ فتنٌ كرياح الصَّيف، منها صغارٌ، ومنها كبارٌ)، قال حذيفة: فذهب أولئك الرَّهط كلُّهم غيري» (٢).
وتتلخَّص وصية حذيفة هنا -عند وقوع الفتنة -ألَّا يشخص لها، ولا يبرز لها، ولا يخوض فيها؛ فهي بمثابة البحر الذي انفجر، والسيل الذي انهمر، وما الذي يتوقَّع من مصير من يواجه البحر إذا انفجر، والسيل إذا انهمر؟! سيجرفه جرفًا، وينسفه نسفًا، كما ينسف السيل إذا لاقى الدِّمن -وهي آثار البعر-!
وقد أشار حذيفة ﵁ إلى معنًى مهمٍّ جدًّا عند حدوث الفتنة، وهو: أنَّها تشتبه على أكثر الناس، فيختلط الحقُّ بالباطل، والصواب

(١) جامع معمر بن راشد - الملحق بمصنَّف عبد الرازق - (١١/ ٣٥٩)، المستدرك على الصحيحين للحاكم (٤/ ٤٩٥).
(٢) مسلم ح (٢٨٩١).

1 / 121