كلِّها؛ يتعاطاها أهلها لذَّةً عابرةً، ثمَّ تعقبها حسراتٌ لا يعلمها إلا الله.
«وأجهل الجهَّال من آثر عاجلًا على أجلٍ لا يأمن سوء مغبَّته! فكم قد سمعنا عن صاحب مالٍ أطلق نفسه في شهواتها، ولم ينظر في حلالٍ وحرامٍ، فنزل به من الندم وقت الموت أضعاف ما التذَّ، ولقي من مرير الحسرات ما لا يقاومه ولا ذرةً كلُّ لذةٍ! ولو كان هذا فحسب، لكفى حزنًا، كيف والجزاء الدائم بين يديه؟!» (١).
يقول ابن القيِّم ﵀: «فالمعرض عن الله له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه، وإن تنعَّم في الدُّنيا بأصناف النِّعم، ففي قلبه من الوحشة والذُّلِّ والحسرات التي تقطِّع القلوب، والأمانيِّ الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه، وإنَّما يواريه عنه سكرات الشهوات والعشق وحبِّ الدُّنيا والرِّياسة) (٢).
والجملة الثانية التي تضمَّنتها موعظة حذيفة ﵁: «وترك الخطيئة أيسر - أو قال: خيرٌ - من طلب التوبة، وربَّ شهوة ساعةٍ أورثت حزنًا طويلًا»، وصدق ﵁؛ فإنَّ ترك المعصية وإن كان فيه ثقلٌ، إلا أنَّه أيسر من طلب التوبة؛ إذ قد لا يدركها العبد، ولو أدركها زمانًا، فقد لا يوفَّق لها؛ عقوبةً له على تقحُّم الحِمَى؛ ولهذا قال ﵁: «وربَّ شهوة ساعةٍ أورثت حزنًا طويلًا»؛ ذلك أنَّ اللذَّة في المعصية -مهما طال زمنها - فما تورثه من حزن أطول وأشقُّ، ومن تأمَّل في آثار معصية إطلاق النظر المحرَّم، أدرك معنى هذه الحقيقة التي أشار إليها حذيفة ﵁، «فالنظرة تجرح القلب جُرحًا، فيتبعها جُرحٌ على جُرح، ثم لا يمنعه ألم الجراحة من استدعاء تكرارها .. وقد قيل: إنَّ حبس
(١) صيد الخاطر (١٨٨) بتصرف يسير.
(٢) الجواب الكافي (١٢٠).