بل ارتقى ابن عباسٍ إلى مقام أعلى، وهو قلب الموقف ليكون درسًا تربويًّا، يحمل العبرة، ويَنضَحُ بالنصح ... في ثلاث جُملٍ تمتلئ حبًّا للخير من حبر الأمَّة للأمَّة، يقول ابن عباسٍ ﵄:
«إنَّك لتشتُمُني وفيَّ ثلاث خصالٍ:
إنِّي لآتي على الآية من كتاب الله ﷿، فلوددتُّ أنَّ جميع النَّاس يعلمون منها ما أعلم منها».
الله أكبر!
لقد فتح الله على هذا الحبر من فهم القرآن ما فتح، ووجد من لذَّة الفهم، ونعمة التدبُّر، وروعة الاستنباط ما تمنَّى معه أن يشاركه الناس في فهمها، والعمل بها.
وهو نموذجٌ مشرقٌ للسلامة من لوثة الحسد، أو الضَّنِّ بالعلم على الناس!
وهو رسالة وموعظةٌ لمن فتح الله عليه في علمٍ من العلوم، أن يكون على هذه السَّجيَّة التي كان عليها ابن عباسٍ ﵄، وأن يترجم هذا الحبَّ بتعليمه ونشره.
ثم قال ﵁: «وإنِّي لأسمع بالحاكم حُكَّام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح به، ولعلِّي لا أقاضي إليه أبدًا»، ومراد ابن عبَّاسٍ بذلك القضاة الذين تولَّوا شأن الفصل في الدماء والأموال والفروج.
ولا ريب أنَّ المؤمن يفرح بذلك، كما أنَّه يتنغَّص إن سمع بقاضٍ مُقصِّرٍ في عمله، وإن لم يترافع إليه أبدًا.
وما ذاك إلا لأنَّ صلاح القضاة علامة خيريةٍ في الأمَّة، كما أنَّ فسادهم- والعياذ بالله- علامة فسادٍ في الأمَّة.