إنَّ كلمة ابن عبَّاسٍ هذه لَهِيَ أثرٌ من آثار عقله، ورسوخه في العلم المزكَّى، الموروث عن سيِّد ولد آدم ﷺ! الذي خالط المشركين في مكة، وخالط اليهود والمنافقين في المدينة، وزارة النصارى في آخر حياته، فلم يسمع منه كلمةٌ بذيئةٌ، مع كثرة ما رموه به من قبيح الأوصاف التي لا تليق بعاقلٍ؛ بَلْهَ نبيٍّ يُوحى إليه!
بل لقد نهى زوجه عائشة ﵄ أن تقابل اليهود بسفههم؛ ذلك أنَّه في أحد الأيام دخل رهطٌ من اليهود على الرسول ﷺ، فقالوا: السَّام عليكم، قالت عائشة: ففهمتها فقلت: وعليكم السام واللعنة! قالت: فقال رسول الله ﷺ: (مهلًا يا عائشة! إنَّ الله يحب الرِّفق في الأمر كلِّه)، فقلت: يا رسول الله، أولم تسمع ما قالوا؟! قال رسول الله ﷺ: (قد قُلْتُ: وعليكم) (١).
بوَّب البخاريُّ على هذا الحديث فقال: باب الرفق في الأمر كلِّه.
فمتى يفقه أتباع محمدٍ ﷺ الذين كثر في قواميسهم السبُّ والشتم واللعن- هذا المعنى؟ ومتى نراه واقعا مَعِيشًا؟ ومتى نرتقي بحواراتنا؛ حتى تعلو لغة العقل والأدب بدلًا من الضجيج والصَّخب؟! فإنَّ ارتفاع الصوت، وقبح العبارات ليس دليلًا على قوة الحجَّة، بل العكس! كما قيل: أكثر العربات ضجيجًا هي العربة الفارغة!
* * *
• ومن مواعظ ابن عباسٍ ﵄ قوله (٢):
«لو بغى جبلٌ على جبلٍ، لدكَّ الباغي».
(١) البخاري ح (٦٠٢٤)، مسلم ح (٢١٦٥).
(٢) الأدب المفرد؛ للبخاري، رقم (٥٨٨).