326

Sharḥ al-ʿAqīda al-Ṭaḥāwiyya

شرح العقيدة الطحاوية

كون القرآن كلام الله تعالى على الحقيقة وليس بمخلوق
قال المصنف رحمه الله تعالى: [قوله: (وإن القرآن كلام الله منه بدا بلا كيفية قولًا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر، حيث قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٦] فلما أوعد الله بسقر لمن قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبه قول البشر].
قبل أن نبدأ بالشرح أحب أن أشير إلى المقصود ببعض العبارات التي بدأ بها، وإن كان سيشرحها شرحًا عامًا ثم سيشرع في ذكر أقوال الفرق على وجه التفصيل.
فقوله: (إن القرآن كلام الله) هذا معروف، لكن قوله: (منه بدا) معناه أن الله ﷾ تكلم به، ومنه بدا القرآن، أي: الكلام، وهذا رد لقول من قال بأن القرآن إنما خرج من مخلوق، أو بدا من مخلوق.
فبعضهم يقول بأن القرآن بدا من جبريل ثم سمعه النبي ﷺ.
وبعضهم يقول: إن القرآن بدا من مخلوقات أخرى خلقها الله، وبعضهم يقول بأن الله خلق الحروف والأصوات، فكانت بداية القرآن من تلك الحروف وتلك الأصوات.
وبعضهم يقول بأن الله ﷾ خلقه على لسان مخلوق آخر، سواء أكان هو جبريل أم النبي ﷺ أم غيرهما، أي: نطق به ناطق من العقلاء الناطقين ونحو ذلك.
فالذين زعموا هذه المزاعم ادعوا أن القرآن بدأ من المخلوقين أو من المخلوقات على اختلافات بينهم كثيرة.
وقوله: (بلا كيفية) يرد التوهم الذي يحصل والذي خاض به الخائضون فقالوا: إننا إذا قلنا بأن القرآن بدأ من عند الله تعالى فهذا يعني أنه نطق به كما ينطق المخلوق.
فهذا مردود بأن الله ليس كمثله شيء، وبأننا لا نعرف كيف تكلم الله، لكن الله تكلم به ومنه بدأ.
وقوله: (بلا كيفية قولًا) المعنى: أن الله قاله، ما بدأ منه خلقًا كما يزعمون، ولا بدأ منه معاني ثم ترجمت هذه المعاني على ألسنة بشر، ولا بدأ منه كلامًا نفسيًا، إنما بدأ قولًا، ولذلك يسمى قول الله، فيقال: قال الله تعالى، فالقرآن قول الله، وليس بفعل مستقل عن ذات الله ﷾، وليس بخلق، وليس بمعان نفسية، وليس أمورًا معقولة حولها النبي ﷺ إلى ألفاظ كما يزعمون، أو نحو ذلك مما قالوه.
وقوله: (وأنزله على رسوله وحيًا) بمعنى: أنه حينما نزل على الرسول ﷺ لم ينزل على قلبه بمجرد العلم اللدني كما يزعم كثير من أهل التصوف وأهل الفلسفة، فهم يزعمون أن قلب النبي ﷺ مشتمل على القرآن، وأنه نطق به من معان موجودة في قلبه، وأهل السنة يقولون: المنصوص أن الله أنزله، ولم يشتمل عليه قلب النبي ﷺ قبل ذلك، إنما وعاه قلب النبي ﷺ وأدركه، لكن أيضًا سمعه منزلًا عليه ﷺ، بمعنى: أن الله أوحى به إليه بأنواع الوحي المعروفة شرعًا، ولم يكن ذلك بمعان انصبت ولا بفيض ولا بنتيجة العقل الفعال ولا باشتمال قلب النبي ﷺ على العلم اللدني ولا بنحو ذلك من الأمور التي قال بها المبطلون، إنما كان منزلًا على رسول الله ﷺ بأنواع الوحي الشرعية.
وقوله: (وصدقه المؤمنون حقًا) بمعنى: على الحقيقة، والحقيقة نوعان: منها ما يعلم ومنها ما لا يعلم، فما يعلم هو حقيقة الصفة وحقيقة الكلام وحقيقة التنزيل وأن الله ﷾ أوحى إليه، وما لا يعلم هو كيفية الوحي، وكيفية كلام الله تعالى به، أما كيفية الوحي فهي معلومة عند النبي ﷺ.
قال رحمه الله تعالى: [هذه قاعدة شريفة، وأصل كبير من أصول الدين، ضل فيه طوائف كثيرة من الناس، وهذا الذي حكاه الطحاوي ﵀ هو الحق الذي دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة لمن تدبرهما، وشهدت به الفطرة السليمة التي لم تغير بالشبهات والشكوك والآراء الباطلة].

26 / 2