Sharḥ al-Jāmiʿ al-Ṣaḥīḥ
شرح الجامع الصحيح
قوله: «لأبي ذر»: الغفاري (بكسر المعجمة)، وقد اختلف في اسمه اختلافا كثيرا، فقيل جندب ابن جنادة، وهو أكثر وأصح والمشهور في نسبه، جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار بن مليد بن ضمرة بن بكري بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة الغفاري، وأمه رملة بنت الوقيعة، من بني غفار أيضا، وكان أبو ذر من كبار الصحابة وفضلائهم، قديم الإسلام، يقال: أسلم بعد أربعة وكان خامسا، ثم انصرف إلى بلاد قومه وأقام بها، حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهو أول من حيا رسول الله صلى الله عليه<1/232> وسلم بتحية الإسلام، وأتى المدينة بعدما ذهبت بدر وأحد و الخندق، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن مات وكان يعبد الله تعالى قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين، وبايع النبي على أن لا تأخذه في الله لومة لائم، وعلى أن يقول الحق وإن كان مرا، وعن أبي الأسود الديلمي عن عبد الله بن عمرو، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما أضلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء، أصدق من أبي ذر"، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أبو ذر يمشي على الأرض في زهد عيسى بن مريم"، وروى عنه عمر ابن الخطاب، وابنه عبد الله بن عمر وابن عباس وغيرهم من الصحابة، ثم هاجر إلى الشام بعد وفاة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فلم يزل بها حتى ولي عثمان فاستقدمه لشكوى معاوية منه، فأسكنه الربذة حتى مات بها، وعن مجاهد عن إبراهيم بن الأشتر عن أبيه عن زوجة أبي ذر، أن أبا ذر حضره الموت، وهو بالربذة فبكت امرأته، وقال؟ ما يبكيك؟ فقالت: أبكي أن لابد لي من تكفينك، وليس عندي ثوب يسع لك كفنا، فقال: لا تبكي؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأنا عنده في نفر يقول: "ليموتن رجل منكم بفلاة من الأرض تشهده عصابة من المؤمنين، فكل من كان معي في ذلك المجلس مات في جماعة وقرية، ولم يبقى غيري، وقد أصبحت بفلاة أموت فراقبي الطريق، فإنك سوف ترين ما أقول لك، وإني والله ما كذبت ولا كذبت"، قالت: وأنى ذلك، وقد انقطع الحجاج، قال: "راقبي الطريق"، فبينما هي كذلك إذا هي بقوم تخب بهم رواحلهم كأنهم الرخم، فأقبل القوم حتى وقفوا عليها، فقالوا: مالك؟ فقالت: امرؤ من المسلمين تكفنونه وتؤجرون فيه، قالوا: ومن هو؟ قالت: أبو ذر، قال: ففدوه بآبائهم وأمهاتهم، ثم وضعوا أسياطهم في نحورها، يتبادرونه، فقال: أبشروا، فأنتم النفر الذين قال فيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أصبحت اليوم حيث ترون، ولو أن لي ثوبا من ثيابي يسعني، لم أكفن إلا فيه، فأنشدكم بالله لا يكفنني رجل كان أميرا، أو عريفا أو بريدا، فكل القوم كان نال من ذلك شيئا، إلا فتى من الأنصار كان معهم، قال: أنا صاحبه، الثوبان في عيبتي من غزل، أفي واحد ثوبي هذين اللذين علي، قال: أنت صاحبي فكفني، وتوفي رضي الله عنه سنة اثنتين وثلاثين بالربذة، وصلى عليه عبد الله بن مسعود، فإنه كان مع أولائك النفر الذين <1/233>شهدوا موته وحملوا عياله إلى عثمان بن عفان بالمدينة، فضم ابنته إلى عياله، وقال: يرحمه الله أباذر.
Page 279