275

قوله: «فأبردوا»: (بقطع الهمزة وكسر الراء)، أي: أخروا إلى أن يبرد الوقت، يقال: أبرد إذا دخل في البرد، كأظهر إذا دخل في الظهيرة، ومثله في المكان أنجد: إذا دخل نجدا، وأتهم إذا دخل تهامة. والأمر بالإبراد أمر استحباب، وقيل: أمر إرشاد، وقيل: بل هو للوجوب. وخصه بعضهم بالجماعة، فأما المنفرد فالتعجيل في حقه أفضل، وقيل: خاص بالبلد الحار، وقيل: إن الجماعة إذا كانوا يأتون مسجدهم في كن، فالأفضل في حقهم التعجيل. وقال بعضهم: تعجيل الظهر مطلقا أفضل، وتأولوا قوله: «أبردوا» بمعنى صلوا في أول الوقت، أخذا من برد النهار، وهو أوله، وهو تأويل بعيد، ويرده قوله: «فإن شدة الحر من فيح جهنم»، إذ التعليل بذلك يدل على أن المطلوب التأخير، وتمسكوا أيضا بالأحاديث الدالة على فضيلة أول الوقت، وبأن الصلاة حينئذ أكثر مشقة فتكون أفضل، والجواب أن التعجيل في موضعه أفضل، والإبراد في موضعه أفضل، فيحمل كل واحد من الحديثين على وقت يخصه. وقيل: الإبراد رخصة، والتعجيل أفضل، وهو قول من قال: إنه أمر إرشاد. وقيل: إن أحاديث التعجيل عامة أو مطلقة، والأمر بالإبراد خاص. وأما قولهم: التعجيل أكثر مشقة فلا يفيد الأفضلية؛ لأن الأفضلية لم تحصر في الأشق بل قد يكون الأخف أفضل إذا وافق السنة.

قوله: «فإن شدة الحر»: هذا تعليل للأمر بالإبراد، وهل الحكمة فيه رفع المشقة لكونها قد تسلب الخشوع؟ أو لكونها الحالة التي ينشر فيها العذاب؟ ويؤيده حديث: "اقصر عن الصلاة عند استواء الشمس، فإنه ساعة تسجر فيها جهنم"؛ <1/254> واستشكل بأن الصلاة سبب الرحمة، ففعلها مظنة لطرد العذاب فكيف يتركها؟ وأجيب بأن وقت ظهور أثر الغضب لا ينفع فيه الطلب إلا ممن أذن له فيه، يدل على ذلك حديث الشفاعة، حيث اعتذر الأنبياء كلهم للأمم بذلك سوى نبيئنا صلى الله عليه وسلم، لكونه أذن له في ذلك.

Page 305