Sharḥ al-Jāmiʿ al-Ṣaḥīḥ
شرح الجامع الصحيح
ما جاء في أول ما فرضت الصلاة قوله: «فرضت الصلاة ركعتين»: الحديث رواه أيضا البخاري وأحمد عن عائشة رضي الله عنها قال: "فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر ففرضت أربعا، وتركت صلاة السفر على الأول". زاد أحمد من طريق ابن كيسان: "إلا المغرب فإنها كانت ثلاثا". وروى ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي عن عائشة قالت: فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة واطمأن زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة، وصلاة المغرب لأنها وتر النهار". والحديث يدل على وجوب القصر <1/265> وأنه عزيمة لا رخصة، وقد أخذ بظاهره أصحابنا والحنفية والهادوية، فالقصر عندنا واجب لا جائز فقط، وهو المروي عن عمر وعلي، ونسبه النووي إلى كثير من أهل العلم. قال الخطابي: كان مذاهب أكثر علماء السلف وفقهاء الأمصار على أن القصر هو الواجب في السفر، وهو قول علي وعمر وابن عمر وابن عباس، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن، وقال حماد بن سليمان: يعيد من يصلي في السفر أربعا، وقال مالك: يعيد مادام في الوقت، وخالفنا الشافعي وأحمد، قيل: ومالك أيضا. واعترض بعضهم استدلالنا بحديث الباب بأنه من قول عائشة غير مرفوع، وبأنها لم تشهد زمان فرض الصلاة، والجواب: أما أولا فإن هذا مما لا مجال للرأي فيه، فله حكم الرفع. وأما ثانيا: فعلى تقدير تسليم أنها لم تدرس القصة يكون مرسل صحابي، وهو حجة؛ لأنه إما أن يكون أخذه عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن صحابي آخر أدرك ذلك، وكلاهما حجة. قالوا: لو كان ثابتا لنقل متواترا، قلنا: التواتر في مثل هذا غير لازم. قالوا: يعارضه حديث ابن عباس عند مسلم: "فرضت الصلاة في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين"، قلنا: حديث ابن عباس مجمل؛ لأنه لم يتعرض لبيان السابق من الفرضين، وحديث عائشة مبين فلا تعارض.
Page 320