Sharḥ al-Jāmiʿ al-Ṣaḥīḥ
شرح الجامع الصحيح
ومذهب العلماء كافة أن صلاة الخوف مشروعة اليوم كما كانت في زمان النبوءة، وخالف أبو يوسف والمزني فقالا: لا تشرع بعد النبيء صلى الله عليه وسلم، وتبعهما الحسن بن زياد اللؤلؤي من أصحابه وإبراهيم بن علية، وهؤلاء كلهم من قومنا. واستدلوا بمفهوم قوله تعالى {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة..”.
والجواب: لا مفهوم للشرط؛ لأنه إنما ورد لبيان الحكم لا شرطا لوجوده، والتقدير بين لهم بفعلك فإنه أوضح من القول. وأيضا فالأصل تساوي الأمة في الأحكام المشروعة؛ فلا يقبل التخصيص بقوم دون قوم إلا بدليل. وأيضا فالصحابة أجمعوا على فعلها بعده صلى الله عليه وسلم. وأيضا قد قال صلى الله عليه وسلم: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وعموم منطوق هذا الحديث مقدم على ذلك المفهوم. وخالف أيضا ابن الماجشون والهادوية فمنعوها في الحضر وأجازها الباقون. احتج المخالفون بقوله تعالى {وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح ان تقصروا من الصلاة إن خفتم...” الآية [سورة النساء: 101]، وبأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعلها إلا في سفر، وبأنه صلى الله عليه وسلم لم يصلها يوم الخندق، وفاتت عليه العصر وقضاها بعد الغروب. قالوا: لو كانت جائزة في الحضر لفعلها. والجواب: أما الآية فإنها في صلاة السفر مع الخوف والأمن؛ أما مع الخوف فمن نص الآية، وأما مع الأمن فمن السنة صدقة تصدق الله بها علينا، وأما فعله صلى الله عليه <1/279> وسلم إياها في السفر خاصة، فموافقة حال لا تقيد ولا تخصص، وأما تركه فعلها يوم الخندق فلأنها لم تشرع يومئذ، وإنما شرعت بعد ذلك، ومنذ شرعت لم يخافوا في المدينة لأن الكفار لم يغزوا بعد الخندق.
قوله: «جملة» (بضم الجيم وسكون الميم) أي عدد لا يحضرني تفصيلهم لكثرتهم، أو يطول المقام بتفصيلهم.
Page 338