302

Sharḥ Dīwān al-Ḥamāsa

شرح ديوان الحماسة

Editor

غريد الشيخ

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م

Publisher Location

بيروت - لبنان

وأجود منها " وقد اجتوينا " بالجيم، وهو افتعل من الجوى، كأنه يريد ما اشتمل الجوانح عليه من العداوة حتى صار جوىً. والأضم: الغضب. ومع ذكر الأضم اجتوى بالجيم أشبه، وهو أقرب. وجواب لو محذوفٌ، لأن الأفعال التابعة لهذا البيت جميعها مقصورٌ على بيان القصة، وشرح أحوال الوقعة. وقد بينت فيما تقدم أن حذف الجواب من مثل قول القائل: لو رأيت زيدًا وفي يده السيف، أدل على التهويل والتفخيم من إثباته.
فأرسلنا أبا عمرٍو رببئًا ... فقال ألا انعموا بالقوم علينا
يقول: توجهنا نحوهم وأنقذنا من قبلنا من ارتبأ لنا، فعاد مبشرًا وقال: قروا عينًا واستبشروا، فقد أقبلوا. وهذا مما يترجم عن محبتهم لملاقة الأعداء، وحرصهم على القتال، وتشوفهم للمجاذبة والنزاع، حتى عدوا قربهم بشارةً، والالتقاء معهم غنيمة. وهذا عندي أبلغ من قول الآخر:
يستعذبون مناياهم كأنهم ... لا ييأسون من الدنيا إذا قتلوا
ومن قوله:
لقاء أعادٍ أم لقاء حبائب
وقوله " عينًا " انتصب على التمييز، وهو من باب ما نقل الفعل عنه ووضع النكرة فيه موضع المعرفة، لأن الأصل في قررت به عينًا: قرت عيني. ومثله قولهم: يتصبب عرقًا، ويتفقأ شحمًا. وفي القرآن: " واشتعل الرأس شيبًا ".
ودسوا فارسًا منهم عشاءً ... فلم نغدر بفارسهم لدبنا
يقول: وجهوا فارسًا ليندس في أثناء خيلنا، ويعرف سرنا وعلننا، ويقف على عددنا وعدتنا، فيرجع إليهم بواضح الأحوال والأخبار، فخليناه والانصراف إليهم، ولم نستعمل غدرًا في احتباسه عندنا، وطي أخبارنا عنهم. وأصل الدس: إخفاء الشيء تحت غيره. وفي القرآن: " أم يدسه في التراب " ويقال: اندس إلى فلانٍ، أي أتاه بالنمائم. فإن قيل: ما فائدة ذكر الغدر ها هنا والفارس الذي أنفذوه جاسوسًا لم يكن اتخذ منهم أمانًا، ولا اشترط عليهم شرطًا يوجب سلامته به مع مخالطته لهم. قلت: كأن المراد لم نستعمل مكراُ باحتباس الرسول، إذ كان في منعه من الانصراف إليهم انطواء أخبارنا عنهم، فيكون كالغدر بهم وبه. ويجوز أن

1 / 320