فما تدعي من خير عدوة داحسٍ ... فلم تنج منها يا ابن وبرة سالما
يذم ما أحمدوه من سبق داحسٍ وتبريزه، ويسوئ رأيهم في تبجحهم، ويعرفهم قبح عاقبة ما اختاروه، وسوء مغبة ما شرعوا فيه. وإنما قال " ما تدعي " لأن أصحاب الغبراء كانوا يعللون سبق داحس وينكرونه، فلهذا علق ما حكاه عنه بالدعوى. وقوله " من خير عدوة " أي من نفعه وسناء ذكره. وقوله " فلم تنج منها " رد الضمير على المضاف إليه وهو العدوة. يريد: لم يرجع إليك منها جدوى، ولا ارتفع الأمر فيه كفًا. ولما فاتت الغنيمة فيه لم تحصل لك السلامة أيضًا.
شأمتم بها حيي بغيضٍ وغربت ... أباك فأودى حيث والى الأعاجما
قال أبو زيد: يقال شأم فلانٌ أصحابه، إذا أصابهم الشؤم من قبله. و" بها " يريد بالعدوة، وهذا تفسير قوله: فلم تنج منها يا ابن وبرة سالمًا. يقول: أوقعتم بعدوتها والخطار عليها الشؤم في حيي بغيضٍ: عبسٍ وذبيان، وأحوج أبوك - يعني قيس بن زهيرٍ - إلى ترك أرض العرب ومهاجرتها. يعني حين أحرج وأزعج إلى بلاد العجم، حتى صار يواليهم بها، إلى أن مات غريبًا بين ظهرانيهم. وأشار بقوله " حيث " إلى عمان وما وراءه.
وكانت بنو ذبيان عزًا وإخوةً ... فطرتم وطاروا يضربون الجماجما
يقول: كان بنو ذبيان لكم يا بني عبسٍ ملاذًا وعزًا، وعتادًا وظهرًا، لما يجمعكم وإياهم من الأخوة، فاطرحتم موات التمازج والتشابك، وتجاوزتموها إلى التجاذب والتقاتل. وهذا تحسيرٌ للمخاطب فيما انتقل عنه من موالاة العشيرة، والإبقاء على الأحوال الجامعة، وتلهيفٌ فيما انتقلوا إليه من تهييج الحرب، وبسط الأذى والشر، وتنبيهٌ على ما يتعقب أحوالهم إن استمروا عليها من التفاني والتهالك. وكان الواجب أن يقول: فطرتم تضربون وطاروا يضربون، فاكتفى بالإخبار عن إحدى الفلاقتين؛ إذ قد علم أن حال الأخرى كحالها. ومعنى طرتم: تسرعتم، كما قال:
طاروا إليه زرافاتٍ ووحدانا