424
سبب تسمية حذيفة بصاحب السر
قال الشارح: [مات سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وحذيفة هو ابن اليمان، واسم اليمان: حسيل بمهملتين مصغرًا، ويقال: حسل -بكسر ثم سكون- العبسي بالموحدة حليف الأنصار، صحابي جليل من السابقين، ويقال له: صاحب السر، وأبوه أيضًا صحابي، مات حذيفة في أول خلافة علي ﵁ سنة ست وثلاثين].
سبب تسميته بصاحب السر: أن الرسول ﷺ لما رجع من غزوة تبوك كان معه منافقون في تلك الغزوة، وكانوا يتربصون برسول الله ﷺ، فكان سائرًا في الليل وأمامه عقبة، يعني: طريقًا في جبل سيسلكه، فقال للناس: إني ذاهب! فلا يذهب أحد في هذه العقبة، وذهب معه حذيفة وعمار بن ياسر، حذيفة يقود ناقته، وعمار يسوقها، فلما علم المنافقون أنه سيسلك هذا الطريق ذهبوا وكمنوا له في عرض جبل يريدون أن ينفروا ناقته به لعله يسقط في هذا الجبل فيموت، فلما سار وصار في أثناء العقبة نفذوا مؤامرتهم، فصار حذيفة يضرب وجوه رحائلهم، وخافوا أن يعرفهم فهربوا في الليل، فقال له الرسول ﷺ: (هل عرفت القوم؟) قال: لا، القوم متلثمون، ولكن عرفت رحل فلان وفلان، فأخبره الرسول ﷺ بأسمائهم، وقال: (هؤلاء منافقون، فلان وفلان وفلان وفلان) وصار يسرد عليه أسماءهم، ثم قال له: (لا تخبر أحدًا).
فهذا سبب تسميته صاحب السر، فكان عمر ﵁ وبعض الصحابة إذا مات الإنسان ينظرون إلى حذيفة: هل يصلي عليه؟ فإن صلى عليه صلوا عليه، وإن لم يصل عليه امتنعوا؛ لئلا يكون من الذين أخبر الرسول ﷺ بأنهم منافقون، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤] أي: المنافقون.
وأما ما يقوله الصوفية من أنه أعطي السر اللدني، وأن الرسول ﷺ أعطاه من الأسرار كما أعطي الخضر الشيء الذي لا يعرفه موسى، فهذا من الخرافات التي لا أصل لها، وإنما سمي صاحب السر لأن الرسول ﷺ أخبره بأسماء هؤلاء.
وجاء في بعض الأحاديث أن الرسول ﷺ أسر إليه أمورًا ستقع من الفتن، مثل كون المسلمين يقتلون خليفتهم، وما أشبه ذلك، وذكر أناسًا سيتولون، ويكون في توليتهم شر على الإسلام والمسلمين، من تأخير الصلاة وغير ذلك.
جاء في بعض الآثار أن الرسول ﷺ أيضًا أخبره بهذا، ولكن هذا ليس خاصًا به، فقد أخبر به غير حذيفة، وأحاديث الفتن كثيرة منتشرة عن رسول الله ﷺ؛ ولهذا جاء عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (حفظت عن رسول الله ﷺ جرابين: أما أحدهما فبثثته فيكم، وأما الآخر فلو أعلمتكم به لقطعتم هذا البلعوم، ويشير إلى حلقه) قيل: إنه يقصد بذلك أنه لو أخبرهم أنهم يقتلون خليفتهم لم يصدقوه وربما آذوه، فهذا منه.
والمقصود: أن الرسول ﷺ ما كان يخص هذه الأمور برجل بعينه، وإنما أسر إلى حذيفة أسماء المنافقين.

36 / 10