257

Sharḥ kitāb al-īmān al-awsaṭ li-Ibn Taymiyya

شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية

الرد على الوعيدية بحديث المغفرة لأهل بيعة الرضوان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وكذلك ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة)، وهذه النصوص تقتضي أن السيئات مغفورة بتلك الحسنات، ولم يشترط مع ذلك توبة، وإلا فلا اختصاص لأولئك بهذا، والحديث يقتضي المغفرة بذلك العمل.
وإذا قيل: إن هذا لأن أحدًا من أولئك لم يكن له إلا صغائر لم يكن ذلك من خصائصه أيضًا، وعلى هذا يستلزم تجويز الكبيرة من هؤلاء المغفور لهم].
هو المرجح العاشر من المرجحات التي تؤيد أن العاصي الذي نفي عنه الإيمان وأثبت له الإسلام عنده أصل الإيمان، وليس منافقًا، وهو ما يسمى بالفاسق الملي، وسبق أن المسألة فيها قولان لأهل العلم أحدهما: أن الذين وصفوا بالإسلام دون الإيمان منافقون، وإسلامهم إسلام في الظاهر، وهذا مذهب البخاري وجماعة، وقول طائفة من أهل السنة ومن أهل الكلام.
القول الثاني: قول جمهور السلف والخلف: أن هؤلاء الذين أثبت لهم الإسلام ونفي عنهم الإيمان ليسوا منافقين، وإنما هم ضعفاء الإيمان معهم أصل الإيمان، ونفي عنهم الإيمان لكونهم قصروا في بعض الواجبات، أو فعلوا بعض المحرمات، وقد ذكر المؤلف مرجحات كثيرة، وهذا المرجح العاشر يدل على أن العاصي إذا نفي عنه الإيمان يبقى معه أصل الإيمان.
فقد ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة)، وهذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه ورواه أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان وغيرهم.
والمراد بالشجرة: الشجرة التي بايع النبي ﷺ فيها الصحابة بيعة الرضوان على قتال المشركين، وهذا في صلح الحديبية، وذلك سنة ست من الهجرة لما أحرم النبي ﷺ وأصحابه بالعمرة، فلما قربوا من مكة منعتهم قريش من الدخول إلى مكة فنزلوا في الحديبية، والحديبية قرب حدود الحرم، وهي مكان على طريق جدة، فأرسل النبي ﷺ عثمان بن عفان يفاوضهم ويخبرهم أنه ما جاء لقتال وإنما جاء للعمرة، فاحتبست قريش عثمان ﵁، وشاع في الصحابة أن عثمان قد قتل، فبايع النبي ﷺ الصحابة على الموت، وكانوا ألفًا وما بين الأربعمائة إلى الخمسمائة، فلما سمعت قريش بأن النبي بايع الصحابة على الموت وقتالهم خافوا وأطلقوا عثمان، فسميت هذه البيعة بيعة الرضوان، وأنزل فيها قوله ﷿: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨].
وقال ﵊ في هذا الحديث الصحيح: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) هؤلاء الصحابة الذين بايعوا تحت الشجرة لهم مزية على غيرهم، كما أن من شهد بدرًا له مزية، فأهل بدر قال فيهم النبي ﷺ: (وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ولهذا يقول العلماء: أفضل الصحابة الخلفاء الراشدون ثم بقية العشرة المشهود لهم بالجنة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان.
فقول النبي ﷺ: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) استدل به المؤلف ﵀ على أن من وقع في معصية أو في كبيرة يبقى معه أصل الإيمان، ولهذا قال المؤلف ﵀: وهذه النصوص تقتضي أن السيئات مغفورة بتلك الحسنات، والحسنة هي البيعة تحت الشجرة، فتغفر بها السيئات، وكذلك أيضًا شهود بدر.
ففي حق حاطب بن أبي بلتعة في المرجح التاسع السابق قال النبي ﷺ: (وما يدريك إن الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فشهود بدر حسنة عظيمة تغفر بها السيئات؛ ولهذا غفرت هذه السيئة التي حصلت من حاطب وهي مكاتبة المشركين، وإخبارهم بقدوم النبي ﷺ عليهم، وقد أنزل فيها الله تعالى صدر سورة الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١].
وقال: في آخر آية من السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة:١٣].
فهذه السيئة التي صدرت من حاطب بن أبي بلتعة ﵁ غفرت بهذه الحسنة العظيمة وهي شهود بدر، كما أن الذين بايعوا تحت الشجرة وكانوا ألفًا وأربعمائة حصلت لهم هذه الحسنة العظيمة، وهي البيعة تحت الشجرة، وهذه حسنة عظيمة تغفر بها السيئات، فدل هذا على أنه لو وقع من هؤلاء سيئة أنه يبقى معهم أصل الإيمان، وهي تدل على أن العاصي في الجملة يثبت له الإسلام، وينفى عنه الإيمان، وأنه يبقى معه أصل الإيمان.
فتكون النصوص التي جاءت بإثبات الإسلام لأقوام ونفي الإيمان عنهم دليل على أن معهم أصل الإيمان وليسوا المنافقين كما ذهب إليه الجمهور، ولهذا قال المؤلف ﵀: هذه النصوص تقضي أن السيئات مغفورة بتلك الحسنات.
وقوله: (ولم يشترط مع ذلك توبة) فإنه ما قال النبي ﷺ: لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة إلا إذا تاب بعد أن وقع في المعصية؛ لأن التوبة طهارة تغفر بها السيئات عامة لكل مؤمن إلى يوم القيامة، فدل على أن هؤلاء الذين بايعوا تحت الشجرة، وهؤلاء الذين شهدوا بدرًا تغفر لهم السيئات بهذه الحسنة العظيمة ولم يشترط النبي ﷺ مع ذلك توبة، ولهذا قال المؤلف: وإلا فلا اختصاص لأولئك بهذا، أي: لا اختصاص لهم بالتوبة بل التوبة عامة، ولو كان المراد: لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة إذا تاب، وقوله في أهل بدر: اعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم إذا تبتم، فلو كان المراد أنه لا بد من التوبة لزالت الخصيصة التي لأهل بدر والتي لأهل بيعة الرضوان، ولو قلنا إنه لا بد من التوبة صاروا مشاركين لغيرهم.
فالتوبة طهارة لكل أحد، وليست خاصة بأهل بدر ولا بأهل بيعة الرضوان، فدل هذا على أن الخصيصة التي لأهل بدر والخصيصة التي لأهل بيعة الرضوان هي هذه الحسنة بخصوصها -ولو لم يحدث توبة إذا صدرت معصية- فإنها تغفر بهذه الحسنة العظيمة وهي شهود بدر وبيعة الرضوان.
وقوله ﵀: (والحديث يقتضي المغفرة بذلك العمل) المقصود بذلك العمل: شهود بدر وبيعة الرضوان.
قوله: (وإذا قيل إن هذا لأن أحدًا من أولئك لم يكن لهم إلا الصغائر لم يكن ذلك من الخصائص أيضًا) فليس المراد الآن ذكر خصيصة هؤلاء إنما المراد الوصف، والنبي ﷺ أتى بوصف وقال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة)، وهذا وصف ليس المراد به شخصًا بعينه، وقوله: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) كل من شهد بدرًا وصف بهذا الوصف، ويشفع له الحديث، فلا يقال لأن أولئك لم يعملوا الكبائر وإنما صدرت منهم الصغائر؛ لأن المراد الوصف لا الشخص.
وهذا يستلزم تجويز الكبيرة من هؤلاء المغفور لهم فليسوا معصومين، وإنما المعصوم الرسل عن الشرك وعن الكبائر، ومعصومون عن الخطأ فيما يبلغونه عن الله، أما غير الرسل فليسوا معصومين من الكبائر حتى يقال: إن أهل بيعة الرضوان وكذلك أهل بدر لا تصدر منهم إلا الصغائر، فصدور الكبيرة منهم جائزة وليست مستحيلة، والنبي ﷺ أراد بهذا الوصف لا شخصًا بعينه، وبهذا يتبين أن من المرجحات شهود بدر، وأنها حسنة تغفر بها السيئات كالسيئة التي حصلت من حاطب لما كاتب المشركين بأخبار النبي ﷺ، وكذلك حسنة بيعة الرضوان تغفر بها السيئات التي تصدر منهم.

14 / 2