Sharḥ kitāb al-īmān al-awsaṭ li-Ibn Taymiyya
شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية
Genres
•Salafism and Wahhabism
Regions
•Saudi Arabia
إسقاط الحسنات الماحية لعقوبة الذنب
قال المصنف رحمه الله تعالى: [السبب الثالث: الحسنات الماحية، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، وقال ﷺ: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر).
وقال ﷺ: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه).
وقال ﷺ: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه).
وقال ﷺ: (من حج البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه).
وقال ﷺ: (فتنة الرجل في أهله وماله وولده تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).
وقال ﷺ: (من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار حتى فرجه بفرجه).
وهذه الأحاديث وأمثالها في الصحاح.
وقال ﷺ: (الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)].
هذا هو السبب الثالث من الأسباب التي تسقط بها عقوبة الذنب ويمحو الله بها الذنب: وهو الحسنات الماحية، فيفعل حسنة عظيمة فيمحو الله بها الخطايا ولو لم يتب، وقد استدل المؤلف بأدلة: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، جاء في سبب نزول هذه الآية: (أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة ثم جاء إلى النبي ﷺ فأخبره، فقال النبي ﷺ: أشهدت معنا الصلاة؟ قال: نعم، قال: اذهب فقد غفر الله لك).
جاء في سبب نزولها أنه فعل صغيرة، وقد يقال: إنه تاب، وظاهره أنه تاب، والقبلة صغيرة، فهو فعل صغيرة من الصغائر ثم تاب، لكن المؤلف استدل بعموم الآية: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، وقال: الحسنة تمحو السيئة من دون توبة.
الدليل الثاني: حديث أبي هريرة ﵁ المشهور: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر)، وهذا الحديث رواه الإمام مسلم وغيره.
وهذا الحديث استدل به المؤلف على أن من الحسنات التي يكفر بها السيئات: الصلوات الخمس، والجمعة، ورمضان لكن الحديث فيه: (إذا اجتنبت الكبائر)، وسيأتي الكلام عليه.
الدليل الثالث: ما ثبت في صحيح البخاري وغيره أن النبي ﷺ قال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)، وجه الدلالة: أن صوم رمضان حسنة يمحو الله بها الخطايا، وسيأتي أن بعض العلماء قال: إذا اجتنبت الكبائر.
الدليل الرابع: قوله ﷺ: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)، وهو حديث صحيح، فقيام ليلة القدر حسنة غفر بها الذنوب.
الدليل الخامس: قوله ﷺ: (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) رواه البخاري ومسلم وغيرهما، وفيه: أن الحج حسنة عظيمة يمحو الله بها الخطايا.
الدليل السادس: قوله ﷺ: (فتنة الرجل في أهله وماله وولده يكفرها: الصلاة، والصيام، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وهذا الحديث رواه الشيخان وغيرهما.
ومعنى: (فتنة الرجل في أهله وماله) ما يحصل من الكلام والأخذ والرد بينه وبين الزوجة وبينه وبين ولده وبينه وبين جاره، والمقصود ما يحصل من نزاع أو كلام وأخذ ورد، فهذه الفتنة التي تكون بين الإنسان وأهله وبينه وبين ولده وبينه وبين جاره يكفرها الصلاة والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه الحسنات يكفر الله بها الخطايا، ومعلوم أنها صغائر ليست كبائر.
الدليل السابع: قوله ﷺ: (من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار حتى فرجه بفرجه) وهذا الحديث أيضًا رواه الشيخان وغيرهما.
وفيه: أن العتق حسنة يكفر الله به الخطايا، ويعتق الله به رقبة المعتق من النار، إذا أعتق العبد أعتقه الله من النار، ومعناه: كفر سيئاته بهذه الحسنة، وهذه الحسنة وهي العتق محت السيئات، حتى إنه غفر له، فإذا أعتق عبدًا أعتق الله عنه اليد باليد والرجل بالرجل، ويده بيده، حتى فرجه بفرجه.
وهذه الأحاديث وأمثالها في الصحاح كلها صحيحة، وقال: (الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب).
قوله: (الصدقة تطفئ الخطيئة) أي: المعصية، والصدقة حسنة من الحسنات، ومع ذلك أخبر النبي ﷺ أنها تطفئ الخطيئة.
وقوله: (والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)، الحديث فيه كلام لأهل العلم، رواه ابن ماجة، وفيه تقديم الجملة الأولى على الثانية، وقال بعضهم: له شواهد يتقوى بها، ومنهم من تكلم فيه، ومنهم من تكلم في الجملة الأخيرة.
وهذه الأحاديث كلها تدل على أن الحسنات يمحو الله بها السيئات، ويمحو بها عقوبة الذنوب من غير التوبة.
14 / 9