288

Sharḥ kitāb al-īmān al-awsaṭ li-Ibn Taymiyya

شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية

الرد على المعتزلة والخوارج بقبول إسلام الكافر والذمي الذي عليه مظالم للناس
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأيضًا: فالكافر إذا أسلم وعليه للناس مظالم من قتل وغصب وقذف، وكذلك الذمي إذا أسلم قبل إسلامه مع بقاء مظالم العباد عليه، فلو كان العمل لا يقبل إلا ممن لا كبيرة عليه لم يصح إسلام الذمي حتى يتوب من الفواحش والمظالم، بل يكون مع إسلامه مخلدًا، وقد كان الناس يسلمون على عهد رسول الله ﷺ ولهم ذنوب معروفة وعليهم تبعات فيقبل إسلامهم، ويبرئون إلى الله من التبعات، كما ثبت في الصحيح: (أن المغيرة بن شعبة ﵁ لما أسلم وكان قد رافق قومًا في الجاهلية فغدر بهم وأخذ أموالهم، وجاء فأسلم، فلما جاء عروة بن مسعود عام الحديبية والمغيرة قائم على رأس النبي ﷺ بالسيف، دفعه المغيرة بالسيف، فقال: من هذا؟ فقالوا: ابن أختك المغيرة، فقال: يا غدر! ألست أسعى في غدرتك، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: أما الإسلام فأقبله، وأما المال فلست منه في شيء).
وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٢].
وقال لنوح ﵊: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء:١١١ - ١١٣].
ولا يعرف من المسلمين من جاءه ذمي يسلم فقال له: لا يصح إسلامك حتى لا يكون عليك ذنب، وكذلك سائر أعمال البر: من الصلاة والزكاة والصيام].
مما يرد به على الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون بالمعصية وبالكبيرة، أن يقال لهم: الكافر إذا أسلم وعليه للناس مظالم من قتل وغصب وقذف، وكذلك الذمي إذا أسلم هل يقبل إسلامه أو لا يقبل؟ يلزم على الخوارج أن يقولوا: لا يقبل حتى يتوب من المظالم، ويتوب من القتل، ويتوب من الغصب! وهذا باطل، فالذمي إذا أسلم صح إسلامه، والكافر إذا أسلم وعليه للناس مظالم أو إذا تاب المشرك من الشرك، وكان يشرب الخمر، ويعق والديه، ويقطع رحمه، ويتعامل بالربا، صح إسلامه، وبقي عليه التوبة من الخمر والربا وغيره، فالتوبة تكون عامة، والكافر إذا أسلم قد يحسن إسلامه، ويتوب من جميع الذنوب مع الشرك، وهناك كافر يسلم ولكن لا يحسن إسلامه، وهو أنه يتوب من الشرك فقط، فإذا تاب من الشرك صحت توبته من الشرك وبقيت عليه الذنوب فيحتاج إلى توبة منها.
فعلى قول الخوارج الكافر إذا أسلم من الشرك ولم يتب من المعاصي والزنا والسرقة فتوبته هذه لا تقبل، وهذا باطل، والصواب أنها تصح وإن كانت عليه للناس مظالم، فلو كان العمل لا يقبل إلا ممن لا كبيرة عليه لم يصح إسلام الذمي حتى يتوب من الفواحش والمظالم، وهذا باطل.
وهم يقولون: هو مع إسلامه يخلد في النار، وهذا من أبطل الباطل؛ لأن الناس كانوا يسلمون على عهد النبي ﷺ ولهم ذنوب معروفة، وعليهم تبعات، فيقبل إسلامهم، ولا يقول: لا يصح إسلامكم حتى تتوبوا من المعاصي.
ودليل ذلك ما ثبت في الصحيح: أن المغيرة بن شعبة لما أسلم وقد رافق قومًا في الجاهلية فغدر بهم وأخذ أموالهم قبل أن يسلم، وجاء فأسلم، فلما جاء عروة بن مسعود عام الحديبية يفاوض النبي ﷺ في الصلح، كان المغيرة بن شعبة قائمًا على رأس النبي يحرسه بالسيف، فلما مد يده إلى لحية النبي ﷺ دفعه بقائم السيف وقال: أخر يدك عن لحية رسول الله، فقال: من هذا الذي ضرب بالسيف؟ قالوا: ابن أختك المغيرة، فقال: يا غدر ألست أسعى في غدرتك؟ أي: الذي فعلت في الجاهلية من غدر بأصحابك، فقال النبي ﷺ: (أما الإسلام فأقبله، وأما المال فلست منه بشيء).
واستدل المؤلف بقوله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٢]، وقال لنوح: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ * قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء:١١١ - ١١٣] أي: أن الإنسان يقبل بما هو عليه ويعامل بالظاهر، أما ما بينه وبين الله من المعاصي فالله هو الذي يحاسبه.
يقول المؤلف: ولا نعرف أحدًا من المسلمين جاءه ذمي يسلم، فقال له: لا يصح إسلامك حتى لا يكون عليك ذنب، ما قال هذا إلا الخوارج، كذلك سائر أعمال البر: من الصلاة والزكاة والصوم، لم يقل: لا تصح صلاتك ولا صومك ولا زكاتك حتى تتوب حتى لا يكون عليك ذنب، هذا من أبطل الباطل، وبهذا يبطل مذهب الخوارج والمعتزلة ومذهب المرجئة، ويبقى مذهب أهل السنة والجماعة الذي فيه العمل بالنصوص من الجانبين.

16 / 5