الحال في اختلافهم في المقروء، ثمَّ إن الأمر استقر على مرسوم المصاحف العثمانية التي نسخوها من مصحف أبي بكر ﵁، وبهذا يمكن القول بأنه قد انعقد الإجماع على مرسوم مصاحف عثمان ﵁.
وأما تحليل الاختلاف في الرسم، فإنه أمر سهل جدًّا، وليس اختلافهم بدعًا في هذا الأمر، بل لا يزال الاختلاف في المرسوم «الإملاء» قائمًا إلى اليوم، والأمر في ذلك أنه يدخل في باب اختلاف التنوع، فالإملاء في بعض المرسوم له أكثر من وجه، وهو اصطلاح يختلف من كاتب إلى آخر، ومن عصر إلى عصر، وإذا أخذناه من هذا الباب هان الأمر وسهُل، ولم يكن هناك تعنيف ولا تثريب، ولظهر لنا أن كل ما وُجِّه من نقد لمرسوم المصاحف العثمانية من الصحابة أنفسهم - كالمروي عن عائشة - إنما هو من هذا الباب، إذ كلٌّ حكم بما يعرف، وأنكر ما لا يعرف، وهذا أمر يوجد في المرسوم وفي القراءة وفي الأحكام وفي غيرها.
لذا نقول: إنما اعترض الصحابي على الرسم؛ لأنه حكم بما يعلم، والرسم الآخر لم يعرفه فحكم بخطئه، وإذا كان الأمر كذلك فإن الجواب عن مثل ذلك أن يقال: إن اعتراض الصحابي لكونه لم يعلم بالوجه الآخر لا يعني أن ما اعترض عليه أنه خطأ محض، بل نقول: إن ما جهله هو قد علمه غيره.
أما ما روي عن عثمان من قوله: «إن فيه لحنًا وستقيمه العرب بألسنتها» (١)، فإنه ضعيف لا يُحتجُّ بمثله، غير أن له توجيهًا يسلم به من الفهم الذي وقع فيه بعض الناس؛ إذ كيف يُتصوَّر أن عثمان يرى الخطأ في مرسوم كتاب الله ويسكت عنه، ولا يأمر بتعديله، ثم أين الصحابة من هذا؟!
(١) المصاحف، لابن أبي داود (طبعة دار البشائر) ١/ ٢٢٨.