261

Sharḥ Muqaddimat al-Tashīl li-ʿUlūm al-Tanzīl li-Ibn Juzayy

شرح مقدمة التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي

Publisher

دار ابن الجوزي

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٣١ هـ

أو من أديم الأرض الذي هو التراب، وهذا يشير إلى أن اللغة التي تكلم بها آدم لغة اشتقاق، ومن قال: بأنها سريانية، فإنها تسمية لا تخرج بالاسم عن الأصل المقصود الذي ذكرته، وهو كونها لغة اشتقاقية بأي اسم سميت هذه اللغة.
وآدم ﵇ قد نطق بهذه اللغة الاشتقاقية منذ أن خلقه الله، وانظر إلى قوله للملائكة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ردوا عليه بمثله، وإذا كانت الأسماء لا تتغير، فإنه قد نطق باسم الجلالة كما نعرفه اليوم، وكذا اسم السلام.
وكذا ورد في الحديث: «قال الله ﷿: أنا الرحمن وأنا خلقت الرحم واشتققت لها من اسمي» (١)، أي: من الرحمن والرحيم، فالاشتقاق هذا هو الذي جعل اللغة التي تكلم بها آدم تستمر إلى يومنا هذا، وإن كان بعض اللغات حدث فيها تغيير كبير حتى خرجت عن لغة الاشتقاق، وفقدته برمته، ولذلك أسباب تاريخية يمكن دراستها في غير هذا الموضع.
وإذا تأملت اللغات التي يتكلم بها الناس فإنك ستجد أن اللغة العربية أسعد اللغات حظًا بهذه اللغة الاشتقاقية الأولى؛ لأن أصولها ممتدة من جهة الاشتقاق إلى أمدٍ سحيق، فهي لغة أنبياء العرب كالنبي صالح، شعيب، وهود ﵈ وهم قبل إبراهيم؛ أي: قبل اليهود، بل ستجد أنها قبل هؤلاء كلهم، فهذه أسماء أصنام قوم نوح عربية ﴿وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]، وقوم نوح بينهم وبين آدم عشرة قرون، كما ورد عن ابن عباس، وهذا يشير إلى أن اللغة الاشتقاقية الآدمية كانت موجودة في قوم نوح ﵇، وأن أصول كلام العرب كان ممتدًا إلى قوم نوح.

(١) أخرجه أحمد في مسند عبد الرحمن بن عوف، ورقم الحديث (١٦٨١) ٣/ ٢١٣.

1 / 263