ومع تكاثر وجوه الأدلة الدالة على صدقه؛ إلا أنني أُؤَكِّد على أن المقصودين أولًا بهذا التحدي هم العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، أما من عداهم من الأمم إلى قيام الساعة فهم تبع لهم في هذا؛ لأنه إذا عجز العرب الذين هم أصحاب الفصاحة والبيان وأصحاب اللغة التي نزل بها القرآن، فمن باب أولى أن يعجز غيرهم؛ لأنهم لا يمكن أن يصلوا إلى درجة العرب في البيان.
ولذا تعجب من بعض المستشرقين أمثال: (نولدكه) الذي كتب «تاريخ القرآن» عندما يعترض على ألفاظ في القرآن أو يزعم أن محمدًا ﷺ هو الذي كتب القرآن وأنه أخذه من كتب اليهود أو النصارى، وتزداد عجبًا عندما ينتقد ويقول: «ولقد قرأها محمد خطأً لم يعرفها، وهي كذا وكذا»، وهذا كله جهل، فلو كان محمد ﷺ كما يزعم لانتقده هؤلاء الذين أمامه وجالدوه بالسيوف، لكنهم لم يحتجوا على كلمة في القرآن، ولم يقولوا بأنها ليست عربية، فكيف ظهر له ما لم يظهر لمن كانوا أشدَّ منه حرصًا على إبطال ما جاء به محمد ﷺ، ولا شك أن هذا خلل فكري في المنهج العلمي الذي يدعيه المستشرقون، ومن يحترم عقله لا يمكن أن يقول مثل هذا القول، ولذا تلاحظ أن كثيرًا من المستشرقين إذا ناقشوا - حسب زعمهم - قضية أَخْذِ القرآن من الكتب السابقة، لا يذكرون إلا احتمالًا واحدًا وهو أن محمدًا كتب القرآن بنفسه، وأنه أخذ من الكتب السابقة، والعجيب أنهم لا يذكرون الاحتمالات العقلية الأخرى، وهذا - بلا شكٍّ - مخالف للمنهج العلمي؛ أما الاحتمال الآخر وهو أن يكون محمد ﷺ أخذ من المصدر الذي أُخِذت منه التوراة، ومن المصدر الذي أُخِذ منه الإنجيل، لكننا لا نجدهم يجعلون مثل هذا افتراضًا - على الأقل - كما هي عادتهم في فرض الافتراضات، ثم بناء الأحكام العلمية عليها.
ولا يظهر أنهم يُغفلون مثل هذا الاحتمال غفلة منهم؛ لأنهم لو