234
تفسير قوله تعالى: (ولا تلبسوا الحق بالباطل)
قال الله تعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٢ - ٤٣].
قال المصنف ﵀: [يقول تعالى ناهيًا لليهود عما كانوا يتعمدونه من تلبيس الحق بالباطل وتمويهه به وكتمانهم الحق، وإظهارهم الباطل: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٤٢]، فنهاهم عن الشيئين معًا، وأمرهم بإظهار الحق والتصريح به؛ ولهذا قال الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة:٤٢] لا تخلطوا الحق بالباطل، والصدق بالكذب.
وقال أبو العالية: «وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ» يقول: ولا تخلطوا الحق بالباطل، وأدوا النصيحة لعباد الله من أمة محمد ﷺ.
ويروى عن سعيد بن جبير والربيع بن أنس نحوه، وقال قتادة: «وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ» ولا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام وأنتم تعلمون أن دين الله الإسلام، وأن اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله.
وروي عن الحسن البصري نحو ذلك.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٤٢] أي: لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي، وبما جاء به وأنتم تجدونه مكتوبًا عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم.
وروي عن أبي العالية نحو ذلك.
وقال مجاهد والسدي وقتادة والربيع بن أنس: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة:٤٢] يعني: محمدًا ﷺ.
قلت: وتكتموا يحتمل أن يكون مجزومًا، ويحتمل أن يكون منصوبًا، أي: لا تجمعوا بين هذا وهذا كما يقال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، قال الزمخشري: وفي مصحف ابن مسعود: (وتكتمون الحق) أي: في حال كتمانكم الحق وأنتم تعلمون الحق حال كتمانه أيضًا، ومعناه: وأنتم تعلمون الحق، ويجوز أن يكون المعنى: وأنتم تعلمون ما في ذلك من الضرر العظيم على الناس من إضلالهم عن الهدى المفضي بهم إلى النار إن سلكوا ما تبدونه لهم من الباطل المشوب بنوع من الحق؛ لتروجوه عليهم، والبيان: الإيضاح، وعكسه الكتمان وخلط الحق بالباطل].
فهما شيئان: الشيء الأول: لبس الحق بالباطل، مثل لبسهم اليهودية والنصرانية بالإسلام، وادعاؤهم أن اليهودية دين حق، فهذا من لبس الحق بالباطل، والثاني: الكتمان، حيث يكتمون ما عندهم من العلم بأن محمدًا رسول الله حقًا، وأن الشريعة نفس الشرائع السابقة، فهذا من كتمانهم الحق، فنهوا عن هذا، فهم نهوا عن لبس الحق بالباطل، وعن كتمان الحق، قال تعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٤٢]، فهم يعلمون أنهم يلبسون الحق ويكتمون الحق عن علم، نسأل الله السلامة والعافية.

30 / 8