250
تفسير قوله تعالى: (وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب)
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة:٤٩ - ٥٠].
قال المصنف ﵀: [يقول تعالى: اذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم إذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب، أي: خلصتكم منهم وأنقذتْكم من أيديهم صحبة موسى ﵇ وقد كانوا يسومونكم، أي: يوردونكم ويذيقونكم ويولونكم سوء العذاب، وذلك أن فرعون لعنه الله كان قد رأى رؤيا هالته؛ رأى نارًا خرجت من بيت المقدس فدخلت بيوت القبط ببلاد مصر إلا بيوت بني إسرائيل، مضمونها أن زوال ملكه يكون على يدي رجل من بني إسرائيل، ويقال بعد تحدث سماره عنده بأن بني إسرائيل يتوقعون خروج رجل منهم يكون لهم به دولة ورفعة، وهكذا جاء في حديث الفتون كما سيأتي في موضعه في سورة طه إن شاء الله تعالى].
هذه الآية وما بعدها يمتن الله ﷾ بها على بني إسرائيل، ويعدد عليهم نعمه، حيث أنجاهم من آل فرعون، وقد كان فرعون يسومهم سوء العذاب: فيذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، ثم ذكر نعمته بأن فرق بهم البحر، وأنجاهم وأغرق آل فرعون، وجعل يعدد ﷾ نعمه المتتابعة.
والخطاب لبني إسرائيل، وهذا إنما حصل لآبائهم وأجدادهم، ولكن النعمة على الأجداد نعمة على الأحفاد، فهو ﷾ يخاطب بني إسرائيل أهل الكتاب الذين في المدينة في زمن النبوة، وهم ما رأوا هذا ولا حصل لهم، ولكن حصل هذا لآبائهم وأجدادهم؛ ولأن الأحفاد إذا أقروا الأجداد على ما هم عليه فحكم الأحفاد حكم الأجداد؛ لأن الراضي كالفاعل، والامتنان على الآباء والأجداد امتنان على الأحفاد والأولاد، ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة:٤٩] فالنجاة إنما كانت لآبائهم وأجدادهم عندما كانوا مع موسى ﵊، هو خطاب لليهود في المدينة وقت نزول الوحي: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾ [البقرة:٤٩] يعني: نجينا آباءكم، ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة:٥٠]، يعني: فرقنا بآبائكم وأجدادكم مع موسى.
وحديث الفتون حديث طويل رواه ابن عباس وأخرجه النسائي بطوله، وأكثره مأخوذ من بني إسرائيل.
قال المؤلف ﵀: [فعند ذلك أمر فرعون لعنه الله بقتل كل ذكر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل وأن تترك البنات، وأمر باستعمال بني إسرائيل في مشاق الأعمال وأرذلها].
فأخذوا يستعملونهم في الخدمة والعمل والكنس والطبخ، وما أشبه ذلك من الأعمال الشاقة التي لا يقوم بها إلا هم، ولما أمر فرعون بقتل بني إسرائيل قال له أناس: إن فعلت ذلك فسوف تنتهي اليد العاملة ولا يبقى من يعمل ومن يقوم بهذه الأشغال، فعند ذلك رأى رأيًا آخر وهو أن يقتل الذكور سنة ويبقيهم سنة؛ حتى تبقى اليد العاملة ولا ينقطع الذكور وتقل الكثرة التي يخاف منها؛ لأنه إذا تركهم خشي منهم، وإذا قتلهم كل سنة انتهوا وانتهت اليد العاملة.
واختلف في المراد بالآل: فقيل يطلق على الرجل من باب التعظيم، فيقال: آل فلان، ولا يضاف إلى البلدان على المشهور، وجوز بعضهم ذلك كأن يقال: أهل المدينة، فحكى أبو عبيد: أهل مكة، أهل الله، وهكذا يضاف إلى موطن الرجل على المشهور، قال عبد المطلب: وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك وقال غيره: أنا الفارس الحامي حقيقة والدي وآلي كما تحمي حقيقة آلك وقيل المراد بالآل أزواجه وذريته، وقيل: نسبه وعشيرته، وقيل: أتباعه على دينه، وهذا هو الأرجح أتباعه على دينه، ويدخل فيه جميع المؤمنين من أزواجه وذريته وبني هاشم، وآل الرجل يدخل فيهم هو دخولًا أوليًا، فآل إبراهيم يدخل فيهم إبراهيم دخولًا أوليًا، وآل فرعون يدخل فيهم فرعون دخولًا أوليًا، فهو أولهم، وأتباعه تبع له.
قال المؤلف ﵀: [وهاهنا فسر العذاب بذبح الأبناء، وفي سورة إبراهيم عطف عليه كما قال: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [إبراهيم:٦]].
أي: هنا جعل تذبيح الأبناء جزء من العذاب.
قال المؤلف ﵀: [وسيأتي تفسير ذلك في أول سورة القصص إن شاء الله تعالى به الثقة والمعونة والتأييد.
ومعنى يسومونكم: يولونكم، قاله أبو عبيدة، كما يقال سامه خطة خسف إذا أولاه إياها، قال عمرو بن كلثوم: إذا ما الملك سام الناس خسفًا أبينا أن نقر الخسف فينا] فهذا عمرو بن كلثوم يمدح قومه وأنهم لا يستجيبون ولا يقبلون الخسف وإن قبله غيرهم، ويقول: إذا أهانت الملوك الناس فقومي لا يقبلون الإهانة.
قال المؤلف ﵀: [وقيل معناه: يديمون عذابكم، كما يقال: سائمة الغنم من إدامتها الرعي، نقله القرطبي، وإنما قال هاهنا: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [إبراهيم:٦] ليكون ذلك تفسيرًا للنعمة عليهم في قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [إبراهيم:٦]].
فمعنى (يسومونكم) أي: يؤذونكم أو يديمون العذاب عليكم، (ويذبحون أبناءكم) يعني: يقتلون الأبناء، (ويستحيون نساءكم)، يعني: يبقونهن أحياء فلا يقتلونهن، لأن النساء أو الإناث لا يخشى منهن؛ لضعفهن، وعدم تحملهن، وعدم حملهن السلاح في الغالب.
قال المؤلف ﵀: [ثم فسره بهذا لقوله هاهنا: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٤٠]، وأما في سورة إبراهيم فلما قال: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم:٥] أي: بأياديه ونعمه عليهم، فناسب أن يقول هناك: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [إبراهيم:٦]، فعطف عليه الذبح ليدل على تعدد النعم والأيادي على بني إسرائيل].
لما ذكر النعم جعل الذبح داخلًا في سوم العذاب، وهناك لما أراد التعداد وذكرهم بأيام الله -أي: بنعمه- قال: ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [إبراهيم:٦]، فعطف بعضها على بعض تعدادًا للنعم، وهنا جعلها شيئًا واحدًا فجعل الذبح جزءًا من العذاب.
قال المؤلف ﵀: [وفرعون علم على كل من ملك مصر كافرًا من العماليق وغيرهم، كما أن قيصر علم على كل من ملك الروم مع الشام كافرًا، وكسرى لمن ملك الفرس، وتُبَّع لمن ملك اليمن كافرًا، والنجاشي لمن ملك الحبشة، وبطليموس لمن ملك الهند].
وهذا فيه نظر؛ لأن بطليموس هو من ملك اليونان، فالبطالسة هم ملوك اليونان وأحدهم: بطليموس.
قال المؤلف ﵀: [ويقال: كان اسم فرعون الذي كان في زمن موسى ﵇ الوليد بن مصعب بن الريان، وقيل: مصعب بن الريان، فكان من سلالة عمليق بن الأود بن إرم بن سام بن نوح وكنيته أبو مرة، وأصله فارسي من إصطخر، وأيًا ما كان فعليه لعنة الله.
وقوله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٤٩]، قال ابن جرير: وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا آباءكم مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون بلاء لكم من ربكم عظيم، أي: نعمة عظيمة عليكم في ذلك، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵄: قوله تعالى: ﴿بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٤٩] قال: نعمة].
يطلق البلاء على النعمة وعلى المحنة، فبلاء عظيم، يعني: نعمة عليكم أو مصيبة.
ويطلق بطليموس على حكماء اليونان، والحكيم قد يكون ملكًا وقد لا يكون.
قال المؤلف ﵀: [وقال مجاهد ﴿بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة:٤٩] قال: نعمة من ربكم عظيمة وكذا قال أبو العالية وأبو مالك والسدي وغيرهم.
وأصل البلاء الاختبار، وقد يكون بالخير والشر، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:٣٥]، وقال: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف:١٦٨]، قال ابن جرير: وأكثر ما يقال في الشر بلوته أبلوه بلاء، وفي الخير أبليه إبلاء وبلاء، قال زهير بن أبي سلمى: جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو].
أبلاه يعني: في الشر، ويبلو يعني: في الخير.
قال المؤلف ﵀: [قال: فجمع بين اللغتين؛ لأنه أراد فأنعم الله عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده وقيل: المراد بقوله: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ﴾ [البقرة:٤٩] إشارة إلى ما كانوا فيه من العذاب المهين من ذبح الأبناء واستحياء النساء، قال القرطبي: وهذا قول الجمهور، ولفظه بعد ما حكى القول الأول ثم قال: وقال الجمهور: الإشارة إلى الذبح ونحوه، والبلاء هاهنا في الشر، والمعنى: وفي الذبح مكروه وامتحان].

32 / 10