274
تفسير قوله تعالى: (وضربت عليهم الذلة والمسكنة)
قال الله تعالى: [قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة:٦١].
قال المصنف رحمه الله تعالى: «وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ» أي: وضعت عليهم وألزموا بها شرعًا وقدرًا، أي: لا يزالون مستذلين، من وجدهم استذلهم وأهانهم وضرب عليهم الصغار، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء متمسكنون.
قال الضحاك: عن ابن عباس: «وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ» قال: هم أصحاب النيالات، يعني: الجزية].
والسبب في أنهم عوقبوا بهذا: هو عصيانهم وعتوهم وعنادهم، ومخالفتهم لأنبيائهم.
والقبيل: هو العريف، أو رئيس اليهود الذي يأخذ الجزية من اليهود ويدفعها إلى المسلمين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن، وقتادة في قوله تعالى: «وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ» قال: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون، وقال الضحاك: «وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ»، قال: الذل وقال الحسن: أذلهم الله فلا منعة لهم، وجعلهم تحت أقدام المسلمين، ولقد أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجبيهم الجزية].
قوله: تجبي منهم، أي: تؤخذ منهم الجزية.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال أبو العالية والربيع بن أنس والسدي: المسكنة: الفاقة، وقال عطية العوفي: الخراج، وقال الضحاك: الجزية.
وقوله تعالى: «وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ» قال الضحاك: استحقوا الغضب من الله، وقال الربيع بن أنس: فحدث عليهم غضب من الله، وقال سعيد بن جبير: «وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ» يقول: استوجبوا سخطًا.
وقال ابن جرير: يعني بقوله: «وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ» انصرفوا ورجعوا، ولا يقال: باء إلا موصولًا إما بخير وإما بشر، يقال من: باء فلان بذنبه يبوء به بوءًا وبواء، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة:٢٩] يعني: تنصرف متحملهما وترجع بهما قد صارا عليك دوني.
فمعنى الكلام: إذا رجعوا منصرفين متحملين غضب الله قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم من الله سخط.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة:٦١].
يقول تعالى: هذا الذي جازيناهم من الذلة والمسكنة، وإحلال الغضب بهم من الذلة بسبب استكبارهم عن اتباع الحق وكفرهم بآيات الله، وإهانتهم حملة الشرع، وهم الأنبياء وأتباعهم، فانتقصوهم إلى أن أفضى بهم الحال إلى أن قتلوهم، فلا كفر أعظم من هذا، إنهم كفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياء الله بغير الحق؛ ولهذا جاء في الحديث المتفق على صحته: أن رسول الله ﷺ قال: (الكبر بطر الحق وغمط الناس)].
وبذلك فإنهم قد جمعوا الشرور كلها والعياذ بالله؛ فكفروا بالله، وقتلوا أنبياء الله، وتجاوزوا الحدود، وقد توعدهم الله بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران:٢٢]، وهذا من أعظم الذنوب وأعظم الكفر، نسأل الله السلامة والعافية.
وقد وهم المصنف في قوله: في الحديث المتفق على صحته، وإنما أخرجه مسلم فحسب، وإن كان المصنف الحافظ ابن كثير له عناية بالسنة، لكن الوهم لا يسلم منه أحد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقال الإمام أحمد ﵀: حدثنا إسماعيل عن ابن عون عن عمرو بن سعيد عن حميد بن عبد الرحمن قال: قال ابن مسعود: (كنت لا أحجب عن النجوى، ولا عن كذا ولا عن كذا، فأتيت رسول الله ﷺ وعنده مالك بن مرارة الرهاوي، فأدركته من آخر حديثه وهو يقول: يا رسول الله! قد قسم لي من الجمال ما ترى، فما أحب أن أحدًا من الناس فضلني بشراكين فما فوقهما، أليس ذلك هو البغي؟ فقال: لا ليس ذلك من البغي، ولكن البغي من بطر، أو قال: سفه الحق وغمط الناس).
يعني: رد الحق، وانتقاص الناس، والازدراء بهم، والتعاظم عليهم].
قوله: غمط الناس، أي: احتقارهم، ولذلك عندما قال النبي ﷺ: (إنه لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل: يا رسول الله! أرأيت الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا، أذلك من الكبر؟ قال: لا، الكبر بطر الحق وغمط الناس)، أي: رد الحق، ودفعه، وعدم قبوله، وغمط الناس أي: احتقارهم وازدراءهم، والتعاظم عليهم والترفع عليهم.
أما كون الإنسان تكون ثيابه جميلة ونعله جميلة، وهو يقبل الحق ولا يرده، ولا يحتقر الناس فلا يضره ذاك.
وقد يفهم من الحديث الذي ذكره المصنف وعزاه إلى مسند الإمام أحمد: أن الرجل لا يحب أن يكون أحد أفضل منه في ثيابه وغيره، فإذا لم يكن من باب الترفع، وإنما من محبة الجمال، فلا يكره أن يساويه غيره، ولا يكون أحدًا أعلى منه، فهذا لا بأس به.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [ولهذا لما ارتكب بنو إسرائيل ما ارتكبوه من الكفر بآيات الله، وقتلهم أنبياءه، أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد، وكساهم ذلًا في الدنيا موصولًا بذل الآخرة جزاء وفاقًا.
قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم من آخر النهار].
الظاهر أن سنده لا بأس به، لولا عنعنة الأعمش، أما إبراهيم فالظاهر أنه إبراهيم النخعي، لكن في متنه غرابة، فكونه يجتمع ثلاثمائة نبي في وقت واحد، فيقتلونهم من أول النهار ثم يفتحون البقلات من آخر النهار، وكأنهم لم يفعلوا شيئًا، ففيه غرابة، ويحتمل أن هذا مما أخذه ابن مسعود من أخبار بني إسرائيل، وإن كان السند لا بأس به إلى ابن مسعود، لكن ابن مسعود قد يأخذ عن بني إسرائيل، فمما أخذه عن بني إسرائيل: القول باجتماع ثلاثمائة نبي في وقت واحد، وهذا بعيد، وقد عرف اجتماع نبيين أو ثلاثة في وقت واحد، كيحيى وزكريا وعيسى، ومثلهم داود وسليمان، وكذا إبراهيم ولوط، لكن القول باجتماع ثلاثمائة نبي بعيد، والأقرب أن هذا مما أخذه ابن مسعود ﵁ من أخبار بني إسرائيل، وإن كان السند لا بأس به إلى ابن مسعود.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبان، حدثنا عاصم، عن أبي وائل عن عبد الله يعني ابن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال: (أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتله نبي أو قتل نبيًا وإمام ضلالة وممثل من الممثلين)].
وهذا الحديث فيه وعيد شديد، إذ أن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة من قتل نبيًا والعياذ بالله، لأنه قد ارتكب جريمة عظيمة، إذ الأنبياء هم أفضل خلق الله، وهم الدعاة إلى الله والمبلغون عنه، ففي قتله لهم دليل على شدة عداوته وكفره، وكذلك من قتله نبي، فما كان النبي ليقتله إلا لشدة إيذائه، وكذلك إمام ضلالة، أي: الإمام الذي يدعو إلى الضلالة، ويشمل الأمراء والعلماء.
قوله: وممثل من الممثلين.
المراد: مصور من المصورين، وليس المراد الممثل المعروف عصريًا، أي: الذي يحاكي غيره، فهؤلاء الثلاثة أعظم الناس عذابًا، وقد جاء في حديث آخر: (أشد الناس عذابًا يوم القيامة هم المصورون)، وقال ﵇: (كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم)، وعن إمام الضلالة جاء في حديث ثوبان: (أن النبي ﷺ خافهم على أمته، فقال: وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين)، وهم الأمراء والعلماء، ذكر الحديث الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب التوحيد، في باب: ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان، قال: (وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) وإمام الضلالة: الذي يدعو إلى ضلالة.
فهؤلاء الثلاثة من أشد الناس عذابًا: من قتل نبيًا أو قتله نبي؛ وإمام ضلالة؛ وممثل وهو المصور، وهنا ننبه أن الذي يحاكي أفعال الناس آثم؛ لأن هذا من التزوير، وذاك تغيير خلق الله.
وجاء في مسند أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وروح قالا: حدثنا عوف عن خلاس عن أبي هريرة: (اشتد غضب الله ﷿ على رجل قتله نبي، وقال روح: قتله رسول الله، واشتد غضب الله ﷿ على رجل تسمى بملك الأملاك، لا ملك إلا لله ﷿.
وفي الحديث الآخر: (إن أخنع اسم رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله

36 / 3