340
تابع تفسير قوله تعالى: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [(فصل): حكى أبو عبد الله الرازي في تفسيره عن المعتزلة أنهم أنكروا وجود السحر، قال: وربما كفروا من اعتقد وجوده].
قول المعتزلة هذا ذكره الرازي في كتابه: (مفاتيح الغيب)، وقد قال بعض العلماء: إنه ذكر فيه كل شيء إلا التفسير، ومما ذكر فيه الطب والهندسة والكيمياء وكثير من العلوم، وقد نقل عنه الحافظ ابن كثير ﵀.
وقد أنكر المعتزلة السحر حتى لا يشتبه النبي بالساحر، وحتى تسلم النبوة بزعمهم؛ لأنهم يرون أن السحر لو حصلت منه الخوارق لالتبس النبي بالساحر.
فإن قيل: وما مذهب الرازي؟ قلنا: هو أشعري، ومن متأخري الأشاعرة، ثم صار جهميًا، ومتأخروا الأشاعرة صاروا جهمية، فهم يقولون: إن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه.
وقد كفر ابن تيمية الرازي، ثم ذكر أنه تاب وترحم عليه، وله وصية في آخر حياته، وله كتاب آخر اسمه (السر المكتوم في مخاطبة النجوم).
وقد نقل عنه الحافظ أنه أوجب تعلم السحر، وعنده أن العلم شريف بذاته، ودليله قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]، والسحر علم، فيجب تعلمه، حتى لا يكون هناك علم مفقود.
وما ذكره الرازي قول باطل، فإنه لا يجوز تعلم الكفر، وقد ذكر الله تعالى أن السحر كفر، قال تعالى عن الملكين: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، ولكن الرازي تاب عن هذا القول في آخر حياته، وله وصية معروفة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: وأما أهل السنة فقد جوزوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء، ويقلب الإنسان حمارًا والحمار إنسانًا، إلا أنهم قالوا: إن الله يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى والكلمات المعيّنة].
يمكن للساحر أن يطير في الهواء ويغوص في البحار، أما أن يقلب الإنسان حمارًا والحمار إنسانًا فليس بصحيح، ونسبة هذا القول إلى أهل السنة باطل.
والساحر يستطيع التخييل فقط، فهو قد يخيل أن الإنسان حمار والحمار إنسان، ولكنه لا يقلب الإنسان حمارًا حقيقيًا، وهذا ما فعله سحرة فرعون، كما قال الله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦]، فكانوا يأتون بالعصي والحبال، ويجعلون فيها الزئبق فتتلوى وتضطرب بحرارة الشمس، وصارت كأنها حيات، فخيلوا على الناس بذلك.
فكذلك الساحر يخيل الإنسان في صورة غير صورته التي يرى فيها، ولكنه لا يقلب الإنسان حمارًا، أو الحمار إنسانًا، ولا الحجر ذهبًا أو الذهب حجرًا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك والنجوم فلا، خلافًا للفلاسفة والمنجمين والصابئة، ثم استدل على وقوع السحر وأنه بخلق الله تعالى بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، ومن الأخبار بأن رسول الله ﷺ سُحر، وأن السحر عمل فيه].
معنى قوله: [عمل فيه] أي: أثر فيه، وتأثير السحر إنما كان في جسمه وفي أمور الدنيا، ولم يؤثر في عقله ولا في تبليغه ﷺ، وقد كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لم يفعله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وبقصة تلك المرأة مع عائشة ﵂، وما ذكرت تلك المرأة من إتيانها بابل وتعلمها السحر، قال: وبما يذكر في هذا الباب من الحكايات الكثير، ثم قال بعد هذا: (المسألة الخامسة) في أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور، اتفق المحققون على ذلك].
هذا كلام باطل، والمحققون لا يقولون بهذا، والله تعالى قبح السحر وأخبر أنه كفر، وحذر منه النبي ﷺ.
فإن قيل: هل للسحر حقيقة وخيال؟ قلنا: نعم، له حقيقة وله خيال، فحقيقته أن يؤثر بالقتل والمرض والشلل وغير ذلك، وخياله كأن يقلب صورة الإنسان حمارًا والحمار إنسانًا، ولكنه لا يغير الحقائق، قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لأن العلم لذاته شريف].
العلم النافع لذاته شريف، أما علم السحر فعلم قبيح، ولا شرف له.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]].
المراد بالمدح الذين يعلمون العلم النافع، لا الذين يعلمون العلم السيئ الضار.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولأن السحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة].
وهذا باطل أيضًا، وهو عكس قول المعتزلة الذين يقولون: إنه لا يوجد سحر ولا خوارق؛ لئلا يشتبه الساحر بالنبي، ومن أثبت السحر كفر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [والعلم بكون المعجز معجزًا واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب؛ فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبًا، وما يكون واجبًا فكيف يكون حرامًا وقبيحًا؟! هذا لفظه بحروفه في هذه المسألة، وهذا الكلام فيه نظر من وجوه].
ينتقد الحافظ على الرازي فيما ذكره من وجوب تعلم السحر، ويرد عليه بما يأتي.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [أحدها قوله: (العلم بالسحر ليس بقبيح) إن عنى به ليس بقبيح عقلًا فمخالفوه من المعتزلة يمنعون هذا].
إن أراد أنه ليس بقبيح عقلًا فهو باطل، وإن أراد أنه ليس بقبيح شرعًا فهو باطل أيضًا، فهو قبيح عقلًا وشرعًا، وأصحابه لا يوافقونه على أنه ليس بقبيح عقلًا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعًا؛ ففي هذه الآية الكريمة تبشيع لتعلم السحر، وفي الصحيح: (من أتى عرافًا أو كاهنًا فقد كفر بما أنزل على محمد)، وفي السنن: (من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر)، وقوله: (ولا محظور اتفق المحققون على ذلك) كيف لا يكون محظورًا مع ما ذكرناه من الآية والحديث؟! واتفاق المحققين يقتضي أن يكون قد نص على هذه المسألة أئمة العلماء أو أكثرهم، وأين نصوصهم على ذلك؟! ثم إدخاله علم السحر في عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] فيه نظر؛ لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين العلم الشرعي، ولم قلت: إن هذا منه؟ إثم ترقيه إلى وجوب تعلمه؛ لأنه لا يحصل العلم بالمعجز إلا به ضعيف، بل فاسد؛ لأن أعظم معجزات رسولنا ﵊ هي القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ثم إن العلم بأنه معجز لا يتوقف على علم السحر أصلًا، ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم كانوا يعلمون المعجز، ويفرقون بينه وبين غيره، ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلموه ولا علموه، والله أعلم].
قوله: [ولم قلت: إن هذا منه؟] أي: علم السحر، والحافظ ابن كثير أجاد وأفاد في الرد على الرازي.

47 / 2