Sharḥ Tafsīr Ibn Kathīr
شرح تفسير ابن كثير
•
Regions
•Saudi Arabia
تفسير قوله تعالى: (بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن)
قال المؤرلف رحمه الله تعالى: [ثم قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة:١١٢] أي: من أخلص العمل لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران:٢٠] الآية، وقال أبو العالية والربيع: (بلى من أسلم وجهه لله).
يقول من أخلص لله، وقال سعيد بن جبير: (بلى من أسلم): أخلص، (وجهه): قال: دينه، (وهو محسن) أي: اتبع فيه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن للعمل المتقبل شرطين: أحدهما: أن يكون خالصًا لله وحده.
والآخر: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة، فمتى كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يتقبل؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم من حديث عائشة عنه ﵊، فعمل الرهبان ومن شابههم وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله فإنه لا يتقبل منهم حتى يكون ذلك متابعًا للرسول ﷺ المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، وفيهم وأمثالهم قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور:٣٩]، وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية:٢ - ٥].
وروي عن أمير المؤمنين عمر ﵁ أنه تأولها في الرهبان كما سيأتي.
وأما إن كان العمل موافقًا للشريعة في الصورة الظاهرة ولكن لم يخلص عامله القصد لله تعالى؛ فهو أيضًا مردود على فاعله، وهذا حال المرائين والمنافقين كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢]، وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٧]؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة:١١٢]، وقوله: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:١١٢]، ضمن لهم تعالى على ذلك تحصيل الأجور، وآمنهم مما يخافونه من المحذور (فلا خوف عليهم) فيما يستقبلونه (ولا هم يحزنون) على ما مضى مما يتركونه كما قال سعيد بن جبير: (فلا خوف عليهم) يعني: في الآخرة (ولا هم يحزنون) يعني: لا يحزنون للموت].
هذان الشرطان لا بد منهما في قبول العمل: الأول: أن يكون العمل موافقًا للشرع، والثاني: أن يكون خالصًا لله.
قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١١٢] هذه الآية فيها إخلاص العمل لله، فأسلم وجهه لله: أي: أخلص العمل لله، فلابد لكل عمل يعمله الإنسان من هذين الشرطين.
(وهو محسن) أي: صار عمله حسنًا، والعمل الحسن هو: الموافق للشرع، قال سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف:١١٠] وقال سبحانه في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان:٢٢].
50 / 5