533
تفسير قوله تعالى: (ذلك عيسى بن مريم قول الحق الذي فيه يمترون)
قال الله تعالى: [﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم:٣٤ - ٣٧].
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [يقول تعالى لرسوله محمد ﷺ: ذلك الذي قصصناه عليك من خبر عيسى ﵇: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم:٣٤] أي يختلف المبطلون والمحقون ممن آمن به وكفر به؛ ولهذا قرأ الأكثرون (قولُ الحق) برفع قول].
(ذلك عيسى بن مريم قولُ الحق) والقراءة المشهورة لـ حفص بالنصب، ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ [مريم:٣٤].
قال: [ولهذا قرأ الأكثرون (قولُ الحق) برفع قول، وقرأ عاصم وعبد الله بن عامر (قولَ الحق)، وعن ابن مسعود أنه قرأ: (ذلك عيسى بن مريم قال الحق) والرفع أظهر إعرابا، ويشهد له قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران:٦٠]، ولما ذكر تعالى أنه خلقه عبدًا نبيًا نزه نفسه المقدسة فقال: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾ [مريم:٣٥]].
فقراءة حفص عن عاصم (قولَ الحق) بالنصب، والرفع أظهر مثلما قال الحافظ ﵀: (ذلك عيسى بن مريم قولُ الحق) مبتدأ وخبر، أما النصب فعلى تقدير فعل، أي: أعني قولَ الحق.
قال: [ولما ذكر تعالى أنه خلقه عبدًا نبيا نزه نفسه المقدسة فقال: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ﴾ [مريم:٣٥] أي: عما يقول هؤلاء الجاهلون الظالمون المعتدون علوًا كبيرًا.
﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم:٣٥] أي: إذا أراد شيئًا فإنما يأمر به، فيصير كما يشاء كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران:٥٩ - ٦٠].
وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم:٣٦]، أي: ومما أمر عيسى به قومه وهو في مهده أن أخبرهم إذ ذاك أن الله ربه وربهم وأمرهم بعبادته فقال: ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم:٣٦] أي: هذا الذي جئتكم به عن الله صراط مستقيم، أي: قويم من اتبعه رشد وهدي، ومن خالفه ضل وغوى].

71 / 2