184

Sharḥ uṣūl iʿtiqād ahl al-Sunna liʾl-Lālakāʾī - Ḥasan Abūʾl-Ashbāl

شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - حسن أبو الأشبال

عقيدة الثوري في الصلاة خلف أمراء الجور
قال: [يا شعيب! لا ينفعك ما كتبت حتى ترى الصلاة خلف كل بر وفاجر] أي: ترى جواز الصلاة خلف كل بر وفاجر.
يعني: لو أن هناك صاحب بدعة، وآخر ظالم وطاغية، ولكن ظلمه وطغيانه وفجوره لم يؤد به إلى الكفر فتجوز الصلاة خلفه.
ولكن هل الصلاة تجوز خلف الكافر؟ لا تصح، فإذا فعل ما فعل، ولكن فعله لا يؤدي به إلى الكفر، فإن الصلاة تجوز خلفه، واعلم أنني أقول: تجوز، ولم أقل واجبة، ولا مستحبة، وإنما أقول: جائزة، هذا في عموم الصلوات، أما في صلاة الجمعة والعيدين والاستسقاء الذي لا يكون إلا بالإمام، فإذا كان الإمام ظالمًا وطاغية، ولكن ظلم هذا الإمام وطغيانه لم يبلغ به حد الكفر، وأتى وصلى بنا العيد، فإننا نصلي خلفه.
السؤال
هذه الأفعال هل يكفر بها الساب والشاتم والظالم والباغي؟ أنت نفسك ستقول: لا.
ولو قلت: يكفر وكنت من أهل الاجتهاد سأقول لك: لا يلزمك الصلاة خلقه، ولا تصح صلاتك؛ لأن الصلاة لا تصح خلف الكافر؛ لأن كل من صحت صلاته لنفسه صحت لغيره، والكافر لا تصح صلاته لنفسه، وبالتالي لا تصح لغيره، أما الفاجر الذي لم يبلغ فجوره حد الكفر، فإن الصلاة خلفه في الجمعة والعيدين وفي محافل الناس ومجامعهم لابد وأنها واجبة درءًا للفتنة.
الحجاج بن يوسف الثقفي تعلمون أنه كان ظالمًا، ولكن ظلمه في مذهب جماهير أهل العلم لا يكفر به، بل لا أعلم أن أحدًا من أهل العلم كفره إلا الإمام الأوزاعي إمام أهل الشام.
أليس كان الأولى أن يصدر الحكم بكفره من عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس؟ لأن هؤلاء كانوا يجلسون في المسجد الذي يخطب فيه الحجاج، وكان الحجاج من أفصح الناس وأكثرهم بيانًا، وكان يصعد المنبر فيخطب الجمعة حتى يدخل وقت العصر، ولم يكن أحد من الصحابة ولا من غيرهم يجرؤ أنه يقول للحجاج: إن وقت العصر دخل؛ لأنه كان سينزل ويقطع رقبته.
إن الحجاج بلغ من فجوره أنه صعد المنبر في يوم الجمعة والصحابة في المسجد، ثم يقول: ما لي أرى رءوسًا قد أينعت وحان قطافها! أرأيتم مثل هذا الإجرام؟! يعني: رءوسًا استوت مثل الثمرة عندما تنضج وتغري الناظر ويحين قطافها، وكان عنده ختم حديد يضعه في النار حتى يحمر ويختم به الصحابة بين أكتافهم.
لماذا تعمل ذلك يا حجاج؟ قال: من أجل أن أميزكم عن بقية الناس.
أرأيت ماذا كان يعمل بالصحابة؟ ولذلك أنس بن مالك عندما جاء عليه الدور في الختم، قال: والله إن النصارى ليفعلون هذا برهبانهم، وأنت تفعله بأصحاب النبي ﵊، ولذلك قال النبي ﵊: (سيظهر في ثقيف -أي: في قبيلة ثقيف- كذاب ومبير) مبير يعني ظالم، فلما لقيت أسماء بنت أبي بكر الحجاج بن يوسف الثقفي وكلمها بغلظة، قالت: لقد بشرنا بك النبي ﵊ قال: (إنه سيظهر في ثقيف كذاب ومبير).
وأما الكذاب فهو المختار بن عبيد الثقفي الذي ادعى النبوة، وأما المبير فأنت يا حجاج، أنت الظالم الذي خرج في قبيلة ثقيف.
والصحابة ﵃ كانوا يصلون خلفه مع هذا الفجور والظلم؛ لأنهم يرون أن ظلمه لم يبلغ به حد الكفر، أما لو بلغ فلا ينبغي أبدًا أن يتولى عليهم؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١].
فلا أحد من الكفار يتولى إمرة المؤمنين ولا حكم بلاد المسلمين؛ لأنه ليس للكافر ولاية على المسلم.
قال: [(يا شعيب لا ينفعك ما كتبت حتى ترى أن الصلاة جائزة خلف كل بر وفاجر، وأن الجهاد ماض إلى يوم القيامة مع كل بر وفاجر، وأن الصبر تحت لواء السلطان جار أم عدل)].
جار.
يعني: ظلم وطغى وبغى أم عدل، فالصبر على إيذائهم أمر واجب.
[قال شعيب: (فقلت لـ سفيان: يا أبا عبد الله: الصلاة كلها؟)] يعني: نصلي خلف كل بر وفاجر جميع الصلوات؟ قال: [لا.
ولكن صلاة الجمعة والعيدين، صل خلف من أدركت].
وهنا لم يقل صلاة العيدين والجمعة على سبيل التنصيص والتحديد، بل مراده كل الصلوات التي يحتفل بها الناس ويجتمعون لها، وصلاة الاستسقاء كذلك، والخسوف أو الكسوف، فإن إمام البلد يصعد ويدعو جميع أهل القرية إلى مكان يسع أهل القرية ويصلي بهم ركعتين ويدعو.
إذًا: مادام السلطان فجوره وظلمه لم يبلغ حد الكفر وجب الصبر عليه، ولذلك قال: [وأن ترى الصبر تحت لواء السلطان جار أم عدل ما لم يبلغ الكفر.
قال شعيب: (قلت لـ سفيان: يا أبا عبد الله: الصلاة كلها؟ قال: صلاة الجمعة والعيدين خلف من أدركت، وأما سائر ذلك فأنت مخير، لا تصل إلا خلف من تثق به، وتعلم أنه من أهل السنة والجماعة].
لأن الأمة بأسرها -أي: أهل الس

10 / 12