603

Al-ṭabīʿiyyāt min kitāb al-Shifāʾ

الطبيعيات من كتاب الشفاء

بالعرض ، فأن يعرض لبعض الأجزاء من الأرض انحفار دون بعض ، بأن تكون رياح نسافة (1) أو مياه حفارة تتفق لها حركة على جزء من الأرض دون جزء ، فيتحفر (2) ما تسيل عليه ويبقى ما لا تسيل عليه رابيا. ثم لا تزال السيول تغوص فى الحفر الأول (3) إلى أن تغور (4) غورا شديدا ، ويبقى ما انحرف عنه شاهقا. وهذا كالمتحقق من أمور الجبال وما بينها من الحفور والمسالك.

وربما كان الماء أو الريح (5) متفق الفيضان ، إلا أن أجزاء الأرض تكون مختلفة ، فيكون بعضها لينة وبعضها حجرية ، فينحفر الترابى اللين ، ويبقى الحجرى مرتفعا. ثم لا يزال ذلك المسيل ينحفر (6) وينحفر (7) على الأيام (8) ، ويتسع ، ويبقى النتوء ، وكلما انحفر عنه الأرض كان شهوقه (9) أكثر.

فهذه هى الأسباب الأكثرية لهذه الأحوال الثلاثة. فالجبال تكونها من أحد أسباب تكون الحجارة ، والغالب أن تكونها من طين لزج جف على طول الزمان ، تحجر فى مدد لا تضبط ، فيشبه أن تكون هذه المعمورة قد كانت فى سالف الأيام غير معمورة ؛ بل مغمورة فى البحار ، فتحجرت ، إما بعد الانكشاف قليلا قليلا فى مدد لا تفى التأريخات بحفظ أطرافها ، وإما تحت المياه لشدة الحرارة (10) المحتقنة (11) تحت البحر (12). والأولى (13) أن يكون بعد الانكشاف ، وأن تكون طينتها (14) تعينها على التحجر ، إذ (15) تكون طينتها لزجة. ولهذا ما يوجد فى كثير من الأحجار ، إذا كسرت أجزاء الحيوانات المائية كالأصداف وغيرها. ولا يبعد أن تكون القوة المعدنية قد تولدت هناك ، فأعانت (16) أيضا ؛ وأن تكون مياه قد استحالت أيضا حجارة ؛ لكن الأولى أن يكون (17) تكون الجبال على هذه الجملة ، وكثرة (18) ما فيها من الحجر (19) لكثرة ما يشتمل عليه البحر من الطين ، ثم ينكشف عنه ؛ وارتفاعها لما حفرته السيول والرياح فيما بينها.

Page 7