450
الترسل والتؤدة في الكلام
ومن آداب الكلام: أن يترسل فيه ترسلًا، ويكون في أثناء أدائه على تؤدة وعلى تمهل ليفهم ويحفظ، فقد روى الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان يحدث حديثًا لو عده العاد لأحصاه) لو أن أحدًا يعد عند النبي ﵊ لاستطاع أن يعد الكلمات أو المفردات أو الحروف، ويطيق ذلك ويبلغه إلى آخر الحديث، والمراد بقولها ﵂: المبالغة في الترتيل والتفهيم، وأن النبي ﵊ كان يرتل كلامه، وليس المقصود أن يلحنه وإنما يتأنى فيه.
قال ابن شهاب: أخبرني عروة عن عائشة أنها قالت: (ألا يعجبك أبو فلان جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله ﷺ يسمعني ذلك وكنت أسبح -أتنفل- فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته -أي: هذا الراوي الذي يروي الأحاديث بسرعة بجانب حجرتي ليحدث الناس، لأن حجرة عائشة كانت بجانب المسجد- لرددت عليه، إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم) هذا في رواية البخاري ﵀.
ومعنى قولها: "لرددت عليه" أي: لأنكرت عليه وبينت له أن الترتيل والترديد والتؤدة والتمهل في الحديث أولى من السرد والإسراع، ومعنى قول عائشة: (لم يكن يسرد الحديث كسردكم) أي: أن النبي ﵊ لم يكن يتابع الحديث استعجالًا بعضه إثر بعض؛ لئلا يلتبس على المستمع، وفي رواية للإسماعيلي (إنما كان حديث رسول الله ﷺ فصلًا فهمًا تفهمه القلوب) أي: شيئًا تفهمه القلوب.
وروى أبو داود -رحمه الله تعالى- عن عائشة قالت: (كان كلامه ﷺ كلامًا فصلًا -مفصولًا بين أجزائه وواضحًا- يفهمه كل من سمعه) وعند أبي داود -أيضًا- في الحديث الصحيح: (كان في كلامه ﷺ ترتيل أو ترسيل)، والترتيل: هو التأني والتمهل في تبيين الحروف والكلمات، وهو والترسيل بمعنى واحد.
إذًا كان في عرض كلامه ﵊ ترتيل وترسل وتأني، لكنه ليس بطئًا شديدًا ينفر السامع؛ لأن بعض الناس عندهم بطء شديد في الحديث؛ بحيث أن السامع ينفر من سماعه.

16 / 11