471
صور من ممازحة النبي ﷺ لأصحابه
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: نشرع في آداب المزاح إن شاء الله تعالى، والمزاح -بضم الميم-: كلام يراد به المباسطة بحيث لا يفضي إلى أذى، فإذا بلغ إلى الإيذاء، فهو السخرية.
والمزاح بكسر الميم مصدر، وقد ثبت في سنة النبي ﷺ أنه مزح، وكان يمزح عليه الصلاة السلام، فقد روى الترمذي في كتاب الشمائل المحمدية: باب ما جاء في صفة مزاح رسول الله ﷺ، عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال له: (يا ذا الأذنين).
قال أبو أسامة الراوي: أي: يمازحه، وليس المقصود السخرية أو الاستهزاء، وإنما ممازحة منه ﷺ؛ لأن كل إنسان له أذنان، وهو حديث صحيح.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: (إن كان رسول الله ﷺ ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير -وهو أخوه لأمه-: يا أبا عمير! ما فعل النغير).
قال أبو عيسى الترمذي ﵀: وفِقه هذا الحديث: ١ - أن النبي ﷺ كان يمازح.
٢ - وفيه: أنه كنَّى غلامًا صغيرًا فقال له: (يا أبا عمير).
٣ - وفيه: أنه لا بأس أن يعطى الصبي الطير ليلعب به، وإنما قال النبي ﷺ: (يا أبا عمير ما فعل النغير) لأنه كان له نغير -أي: طائر صغير- يلعب به فمات هذا الطائر، فحزن الغلام عليه، فمازحه النبي ﷺ، وقال: (يا أبا عمير! ما فعل النغير).
هذا الحديث فيه عدة فوائد، حتى قال الشافعي ﵀: إنه أمضى ليلة فاستخرج من هذا الحديث ألف فائدة بتوابعها ومتعلقاتها، وإلا فيصعب أن يستخرج منه بدونها ألفًا، لكن بما يمكن أن يترتب على ما يستخرج منه يكون فيه هذا العدد الكبير من الفوائد.
وهذا الحديث -أيضًا- حديث صحيح، وأبو عمير توفي صغيرًا في عهد النبي ﷺ.
وعن أبي هريرة ﵁، قال: قالوا: يا رسول الله! إنك تداعبنا، قال: (نعم.
غير أني لا أقول إلا حقًا).
وعن أنس بن مالك أن رجلًا استحمل رسول الله ﷺ -أي: سأله دابة ليركبها- فقال رسول الله ﷺ: (إني حاملك على ولد ناقة، فقال: يا رسول الله! ما أصنع بولد الناقة، فقال ﷺ: وهل تلد الإبل إلا النوق) أي: أن الناقة مهما كبرت فهي بنت ناقة، قد ولدتها أمها من قبل، وهو حديث صحيح.
وعنه أن رجلًا من أهل البادية كان اسمه زاهرًا، وكان يهدي إلى النبي ﷺ هدية من البادية، فيجهزه النبي ﷺ إذا أراد أن يخرج إلى مسكنه في البادية، وإذا جاء هو من البادية أهدى للنبي ﷺ هدايا، فقال النبي ﷺ: (إن زاهرًا باديتنا -أي: نستفيد منه ما يستفيد الرجل من باديته- ونحن حاضروه) أي: نحن حاضروا المدينة له، نعطيه ما يستفيد من الحاضرة، وهو يعطينا ما نستفيد من البادية، وكان ﷺ يحبه، وكان رجلًا دميمًا ﵁، فهو قبيح الصورة، مليح السريرة، فأتاه النبي ﷺ يومًا وهو يبيع متاعه -كأنه أتى من البادية بشيء يبيعه في المدينة - فأتاه النبي ﷺ يومًا وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال: من هذا؟ أرسلني -اتركني- فالتفت فعرف النبي ﷺ، فجعل لا يألوا ما ألصق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه- أي: يحاول ويجتهد طيلة الوقت أن يلصق ظهره بصدر النبي ﷺ، لبركته ﵊ وبركة جسده الشريف- فجعل النبي ﷺ يقول: (من يشتري هذا العبد، فقال: يا رسول الله! إذًا والله تجدني كاسدًا، فقال النبي ﷺ: لكنك عند الله لست بكاسد) أو قال: (أنت عند الله غالٍ).
وعن الحسن قال: أتت عجوزٌ إلى النبي ﷺ، فقالت: (يا رسول الله! ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال: يا أم فلان! إن الجنة لا تدخلها عجوز، قال: فولت تبكي، فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة:٣٥ - ٣٧]) فجعلناهن عذارى، أعدنا إنشاءهن من جديد حتى تصبح الثيب في الدنيا عذراء يوم القيامة (عربًا) متحببات إلى أزواجهن، (أترابًا) في سن واحدة، وأهل الجنة أعمارهم جميعًا ثلاثة وثلاثين سنة كما جاء في الحديث الصحيح.
إذًا: هذا يثبت أن النبي ﷺ كان يمزح، ولكنه قال: (إني لأمزح ولا أقول إلا حقًا) للتأكيد، وفي رواية: (إني وإن داعبتكم، فلا أقول إلا حقًا) وكذلك فإنه ﵊ قال -أيضًا- مبينًا شيئًا مما لا يجوز في المزاح، قال: (لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا).
وكذلك فإنه ﵊ قد قال في الحديث الصحيح: (أنا زعيمٌ ببيت في ربض الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا).
إذًا: هذه الأحاديث تدل على أنه ﷺ كان يمزح، وهناك ضوابط مذكورة في هذه الأحاديث تدل على مزاحه ﵊، ومشروعية مزاحه ﵊.

17 / 2