وهناك من جمع بين القولين؛ بأن بداية نزول القراءات كان بمكة مع بداية نزول القرآن، لكن الحاجة لم تدع إلى استخدامها، لوحدة اللغة في مكة وما جاورها "لسان قريش"، واختلاف اللهجات إنما حدث بعد الهجرة في المدينة حين دخلت في الإسلام قبائل متعددة بلهجات مختلفة.
وسواء كان نزول القراءات بمكة أو بالمدينة، إلا أنها مرت بمراحل حتى وصلت إلينا نستطيع أن نرسمها كما يلي:
المراحل التي مر بها علم القراءات:
المرحلة الأولى:
تلقى الرسول ﷺ القراءات كما يتلقى سائر القرآن عن طريق جبريل ﵇ وأمره الله تعالى أن يقرأ على الناس: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ١ ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ ٢.
فبلغه الرسول ﷺ حق التبليغ، وكان يقرؤهم القرآن خمس آيات بالغداة وخمس آيات بالعشى، وربما أقرأ صحابيًّا بحرف وأقرأ آخر بحرف آخر، وكان كل صحابي يقرأ بما سمعه من الرسول ﷺ.
وأمر الرسول ﷺ أن يقرئ بعضهم بعضًا، فكان إذا أسلم رجل دفعه إلى أحد الصحابة ليعلمه القرآن، وكان يرسل بعض أصحابه إلى القبائل لتعليمهم القرآن، وإذا هاجر رجل إلى المدينة دفعه الرسول ﷺ إلى من يحفظه القرآن؛ وبهذا تكونت جماعة من الصحابة عرفت بالقراء، وحفظ القرآن عدد كبير من الصحابة.
١ المائدة: الآية ٦٧.
٢ الإسراء: الآية ١٠٦.
المرحلة الثانية:
بعد وفاته ﵊ ارتدت كثير من قبائل العرب، فجهز الخليفة أبو بكر ﵁ الجيوش لقتال المرتدين، وقتل في هذه الحروب عدد كبير من القراء؛ خشي الصحابة أن يذهب شيء من القرآن بذهاب حفظته، فجمعوه في مصحف واحد بجميع قراءاته.